سياسة

بعد عامين … هذا ما ربحه المغاربة من تعيين الحموشي على رأس قطب الأمن الوطني والمخابرات.

النهار24 .

في يوم 15 ماي 2015 عين الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالبيضاء عبد اللطيف الحموشي، المدير العام لجهاز مراقبة التراب الوطني «الديستي» مديرا عاما للأمن الوطني في الوقت نفسه. الأمر الذي دفع المهتمين بالشأن الأمني بالمغرب إلى طرح عدد من الأسئلة التي تهم غايات هذا القران الذي يربط بين منظومتين ذات الاختصاصات المختلفة، لكن متكاملة. ومما ضاعف الأسئلة حول الموضوع كون هذا القرار الحساس قد تم في سياق ظرفية كانت تعرف تصاعد التهديدات الإرهابية، وطنيا، من خلال تنامي ظاهرة التعبيرات الاحتجاجية القطاعية والعامة، وإقليميا بتصاعد الفظاعات في حق شعوب العديد من الدول العربية، في ظل انهيار منظومة الأمن وتعطل وظائف الدولة بتلك البلدان.
اليوم وبعد مرور سنة على تفعيل هذا القرار يكون قد اتضح للمتتبعين والمعنيين بالشأن الأمني، مع وجود المسافة، ومع تراكم الحصيلة نسبيا، الوقوف على المعطيات التي جعلت القران قرارا ملائما في الزمن والمكان.
هناك أولا معطى موضوعي يؤكد بالملموس أن موجبات تطوير مؤسسة الأمن الوطني صارت مسألة ذات أولوية حيوية لاعتبارين اثنين:

– هي أولوية حيوية بالنسبة للذات الأمنية التي كانت تركن إلى ممارسة روتينية تهدد بترهل جهاز الشرطة، خاصة مع ما سجل من حالات التسيب، وعدم انضباط بعض رجال الأمن في أداء مهامهم، وتورط بعضهم في عمليات فساد فضلا عن كون إدارة الأمن الوطني لم تلتقط مجهود المغرب في الانخراط الدولي في مكافحة الإرهاب، وبقيت حبيسة التكلس والأورثوذكسية في التعامل مع القضايا بدون مجهود وبدون أفق. من هنا، قرار المشرع المناداة على الحموشي ليتولى مهام الأمن الوطني (مع احتفاظه بمهام إدارة «الديستي») لتنسيق الجهود وضمان تكامل الجهازين.
– الاعتبار الثاني يتمثل في ارتفاع درجات الوعي بقيم المواطنة، حيث تزايد الطلب على ضرورات التدخل الأمني، سواء من خلال تواتر الأحداث في مناطق عديدة من التراب الوطني، أو من خلال مبادرة المواطنين بتوقيع عرائض موجهة إلى السلطات العمومية للتدخل من أجل إحداث المفوضيات ودوائر الشرطة (نستحضر هنا خرجات سكان سلا وفاس والرحمة وحد السوالم والكارة وإيمنتانوت وطنجة…إلخ). لدرجة أن شعار الأمن المرفوع في المظاهرات تحول إلى أولوية للسكان قبل الحقوق الأخرى (شغل + سكن + نقل… إلخ)، وهو المطلب الذي زادت حدته بسبب ما يراه المواطن من تحلل وتسيب في دول الجوار.
أمام هذه المعطيات كان لابد للعقل العام للدولة أن يجدد أدواته وأنفاسه وآليات تحركه من أجل أن يتماهى مع الحاجة إلى أمن بأبعاد جديدة. من هنا كان اللجوء إلى إدارة المخابرات كخزان تغرف منه الدولة إشرافا جديدا، خاصة بعد أن تأكد أن هذا اللجوء لا يتم عبر شخصنة المدير العام للمنظومتين، ولكنه يتم عبر التوجه نحو تكريس استقلالية كل جهاز لكن مع توحدهما في مؤسسة المدير العام، خاصة وأن الرغبة بالأساس كانت تروم تأهيل جهاز الشرطة بما يضمن السير بنفس السرعة والجودة التي يسير بها جهاز «الديستي»: المؤسسة التي أثبتت نجاعتها وكفاءتها في مواجهة كل التهديدات المحيطة بأمننا العام، كما أثبتت فعالية تدخلها في الملفات الأمنية ذات التواصل مع الخارج.
في هذا الإطار كانت المهمة الأولى لقرار تعيين الحموشي على رأس جهاز الشرطة العمل على عصرنة القطاع وعقلنته، بما يعنيه ذلك من الاحتكام إلى معايير الحكامة الرشيدة: الفعالية وسرعة التدخل، والتجاوب مع نبض الشارع المغربي، وتوظيف كل ما تتيحه التكنولوجيا لضمان جودة المرفق الأمني، لينشغل بجوهر وظيفته ألا وهي «حماية أمن المواطن».
أما المهمة الثانية فتمثل في إخضاع القطاع لقواعد «لعب جديدة» تقر مبدأ الجزاء في حالة رفع الغبن عن العاملين، وإقرار مبدإ المكافأة والترقية… ومبدإ العقاب في ما يخالف المبدأ العام. والأكثر من ذلك أن هذه القواعد تخرج القطاع الأمني من حالات التكتم والانغلاق إلى حالة الشفافية المطلوبة في كل ممارسة حديثة لممارسة السلطة. ولعل هذه إحدى رسائل قران «الديستي» مع الأمن الوطني التي تتجاوب مع الحاجيات الجديدة لفكر المواطنة، ولقيمها المعاصرة.
هل «قطعنا الواد ونشفت الأرجل» كما في المأثور الشعبي؟
الوقائع والمعطيات تؤكد أنه، رغم إيجابية كل ما أنجز في هذا المضمار، لاتزال الحاجة قائمة لتطوير ما تحصل من مكتسبات، ذلك أن فتح الباب على منطق الشفافية، وعلى فكرة الأمن المواطني تعني بالضرورة أن أمامنا أشواطا أخرى سنتغلب عليها بالخطو المتوثب الذي يجعل رهان الفعالية والتجديد والعصرنة والتأهيل يتناغم مع الاعتبارات الدستورية التي أقرتها وثيقة 2011، والتي تفيد دخول المغرب عهد المواطنة بما يعنيه ذلك من خضوع السلطة بكل مكوناتها وأبعادها، لمنطق الربط بين المسؤولية والمحاسبة، وهو الشرط الوحيد الذي يجعل مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية هي مسؤولية رجال الأمن والمواطنين على حد سواء. وإذا ما تم الاستمرار في تبني هذا الاختيار نكون، في الحال والمآل، مطمئنين على أن الوطن والمواطنين يصوغان بهدوء مغرب المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى