سياسة

أين ذهبت 25 مليارا لإنقاذ المغاربة من دور الصفيح؟

بقلم : سلامة الناجي .

420 ألف أسرة مغربية اليوم تقطن “البرارك”.. لم أكن أنتظر نتائج الحليمي ـ المندوب السامي للتخطيط ـ أن يكشف هذا الرقم بعد مرور حوالي العام على إحصاء 2014، كأنهم كانوا يحسبون بالخشيبات والأقراص.. إنما اكتشفت هذا العدد حين بدأت تصوير سلسلة بعنوان “المنسيون”، شهر رمضان الماضي، وتوقفت في الحلقة الثانية رغم التشجيع والتحفيز الذي لقيته الفكرة.. حين وجدت أن المأساة تتكرر معي في كل حلقة، مع كل أسرة، نفس المناظر المؤلمة ونفس الملامح المتعبة ونفس الظروف المزرية ونفس الأسقف من الزنڭ المثقوب الذي يدخل الحشرات صيفا ويدخل المطر شتاء إلى تلك البيوت القزديرية البئيسة لتغرق ملابسهم وأفرشتهم الرثة بالماء المطين كعيشتهم الرمادية.. ونفس الحيطان من الياجور ونفس الأرضية الخشبية والمطابخ الضيقة والأواني البلاستيكية والعيون الحزينة والوجوه المجعدة والأيادي الخشنة التي لا تهاب حمل الصراصير والفئران لكثرة ما ألفتها.. كنت لأصور 30 حلقة كأنها حلقة تتكرر، كل هؤلاء المغاربة يعيشون معاناة كأنهم في بلد غير البلد، مع أن الطرامواي يمر بجانبهم والسيارات الفخمة تلفح أعينهم وأوراق الحملة الانتخابية تم رميها بجانب براركهم.. وسيتكرر سؤال قرائي ومتابعي الذين تنفطر قلوبهم عند رؤية حالة إخواتهم المغاربة: ما هو الحل؟
25 مليار درهم، هو المبلغ الذي خصصته الدولة لإنشاء شقق اقتصادية وإنقاذ ساكنة البرارك (الصفيح).. عرفت أنها عالقة في بطون ما وفي حسابات سويسرية، وأنا أتجول بين ضواحي الرباط نحو السي طيبي مرورا بهوامش سلا نحو القنيطرة، وأنا أشاهد دورا كالكهوف يقطنها مغاربة في القرن الواحد والعشرين، بينما ينعم وزراء يتقاضون الملايين بالسكن الوظيفي بخدمه وحشمه..، دخلت أكثر من 20 “براكة” بعد أن أكسر جدار الشك والخوف الذي يحول بيني وبين سكانها، لأثبت أني لست مبعوثة مخزن ولن يعرف القايد بزيارتي ولا أني سأنشر صورهم لأتقاضى عنها درهما واحدا.. لأكتشف الإسمنت الصلب الذي تنام عليه أجسادهم المنهكة أمام الكراسي الوثيرة لممثليهم بالبرلمان، وأكتشف الثقب الرملية التي يقضون فيها حوائجهم والتي يحفرونها في الخلاء أمام المراحيض المكيفة لأمناء أحزاب اليمين واليسار.. لأكتشف ندرة الماء الذي يضطرون لنقله بالكيلومترات أمام مسابح ڤلل المناضلين في الجمعيات.. والكهرباء الذي يشغلونه ببطارية الحرب العالمية الأولى.. أمام المصابيح المعلقة على شجر “الجرادي” في ڤيلات رؤساء مبادرات التنمية البشرية والبرامج الوطنية ل”مجتمع بدون صفيح”!! باختصار: الفلوس مشاو.
أول حق من حقوق المواطن هو السكن اللائق بعد الغذاء، وأول يوم ظهر فيه وزير الإسكان والتعمير السيد نبيل بن عبد الله كان أيام الحملة الانتخابية، وأغرب جواب جاء على لسان السيد الوزير حين سئل عن سكان الصفيح في أحد البرامج الحوارية، كان تبريره لعدم قدرته على تتمة مشروع 13 مدينة دون صفيح الذي أعلن عنه فور توليه الحقيبة الوزارية هو أن البنوك ترفض إقراض ساكنة البرارك ليتمكنوا من اقتناء شقق اقتصادية ب10 مليون سنتيم للشقة. فهل سننتظر.. من وزير يرغب بإغراق ساكنة تمتهن التسول وبيع “القزبور” وبيع الملابس البالية وجر العربات، ساكنة لا تستطيع حتى توفير قوتها اليومي… في قروض البنوك، أي نجاح لمشروعه؟ كيف يريد إقراض ساكنة مهمشة لا تملك شهادة سكنى ولا بطائق وطنية ولا هي معترف بها في إحصاء ولا في انتخابات. كيف ننتظر من حكومة تنعم بالسكن الوظيفي مع أن كل وزير يتقاضى الملايين شهريا أن تنهي مشكلة من ليس له راتب ولا بيت.
كيف لدولة تعي أن الشيوخ والمقدمين يتاجرون في الشقق السكنية القليلة التي توفرها الدولة للتخلص من بعض التجمعات العشوائية ولا تحرك ساكنا.. كيف لدولة تستمر في منح بيوت مأهولة لمستثمرين خواص.. وأراضي سلالية فلاحية لمستغلين من مافيات العقار التي تسرق عرق الطبقة المسحوقة بالسطو على الأراضي بتواطئ مع المحافظات العقارية وضرب أثمنة الشقق في عشر مرات السعر الأصلي، وتعجز عن متابعة هؤلاء قضائيا.. كيف لدولة تعلم أن عدد سكان دور الصفيح يتجاوز اليوم المليونين، وأكثرهم بالدار البيضاء الكبرى هي نفس المدينة التي تئن من مافيات العقار وتقف عاجزة.. أن ينتظر منها المواطنون أي تغيير.
ماذا بعد أرقام المندوبية السامية للتخطيط.. ماذا بعد تخصيص الأموال لمشاريع غير مكتملة.. هل هناك قضاء سيحاسب المتورطين في ضياع أموال مشروع “مدن دون صفيح”.. أم أن الملف سيحفظ وستستمر الأسر المغربية في عيش عيشة القرون الوسطى؟ 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى