سقطة بوعشرين.. أو حين يسقط القناع عن خطاب عنصري مقيت

الإدارة5 أكتوبر 2026
سقطة بوعشرين.. أو حين يسقط القناع عن خطاب عنصري مقيت

النهار24.

في أثناء تعليقه على مداخلة عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الخطاط ينجا، ضمن أشغال اجتماع المجلس الوطني للحزب، بخصوص التحالف الحكومي المرتقب، لم يجد الصحفي السابق واليوتوبر توفيق بوعشرين ما ينتقد به رئيس جهة الداخلة سوى وصفه بأنه قادم من ما أسماه “ثقافة سياسية فقيرة بالصحراء”.

طبعا، من حق بوعشرين أن يناقش المواقف التي يعبر عنها الخطاط ينجا، بالرغم من أن الأخير كان يتحدث من منطلق مصلحة الحزب، ولم يكن معنيا بعقد أو صراعات أو مواقف شخصية مسبقة. لكن من غير المقبول أن يروج بوعشرين، الذي يوصف ب”الصحفي” و”الاعلامي”، لأحكام قيمة وصور نمطية ترقى الى أن تصنف ضمن خطاب الكراهية ضد الصحراويين وضد المجال الصحراوي.

السقطة الصادرة عن من يوصف ب”الإعلامي” الذي يتصدى للتعليق على كل كبيرة او صغيرة تتعلق بالشأن السياسي في المملكة، فإذا به يروج لخطاب كراهية يقوم على نظرة دونية تجاه الصحراويين، ويقدم صورا نمطية تنم عن خطاب شعبوي سطحي غارق في الجهل والنمطية.

لا يدري بوعشرين أن مختلف الدول والامبراطوريات التاريخية التي حكمت المملكة، بما في ذلك الدولة العلوية، قد نشأت في الجنوب وفي الفضاء الصحراوي تحديدا، فضلا عن جهله، ربما، بالكثير من الشخصيات التاريخية المغربية المنتمية الى هذا الفضاء، والتي تركت أثرها وبصماتها في مختلف المجالات السياسية والثقافية والادبية والدينية والقضائية، مما لا يسع المجال للإحاطة حتى بالنزر اليسير منها.

وربما لم يضطلع السيد بوعشرين على النضالات التي خاضها الصحراويون ابان حقبة الاستعمارين الفرنسي والاسباني، فعدى عن الجهاد الديني والحراكات التاريخية ذات الطابع القبلي، فقد كانوا سباقين الى التطوع في جيش التحرير والانخراط في الحركة الوطنية، خلال سنوات تشكل الفعل السياسي الوطني الاولى، فأبانوا عن حس سياسي ونضالي عال، وساهموا في مواجهة مناورات المستعمر وإفشال مخططاته، كما ساهموا ضمن الفعل السياسي الوطني في مختلف مستوياته ومحطاته.

كما يجهل بوعشرين أن الاقاليم الصحراوية كانت من بين أكثر الاقاليم من حيث ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان خلال سنوات الجمر والرصاص، حيث لم تكن أسباب الاعتقال مرتبطة حصرا بالانتماء أو الارتباط بالجبهة الانفصالية، بل شملت مختلف التيارات والحساسيات السياسية والفكرية الوطنية، كما شملت متعلمين وسياسيين وأدباء وأطر إدارية…

ولعلم بوعشرين، فقد ساهم الصحراويون في النقاش الدائر حول تجربة الانصاف والمصالحة، بل إن من عاشوا هذه التجربة يؤكدون أن الصحراويين كانوا في كثير من الاحيان في مقدمة من قادوا النقاش العمومي ورفعوا سقفه، وبالتالي تركوا بصماتهم على مختلف المنجزات والمكاسب الحقوقية التي حققتها المملكة، والتي عاشها بوعشرين نفسه، دون أن يقف، على ما يبدو، على أسبابها وسياقاتها الحقيقية.

قد لا يختلف اثنان على أن الاقاليم الجنوبية للمملكة تتميز بخصوصية ثقافية، وبنمط إدماج مؤسساتي وسياسي خاص، يرتبط أساسا بالسياقات الثقافية والتاريخية للمنطقة. لكن من غير المقبول أن يتم توظيف هذه الخصوصية الثقافية للنيل من العنصر الصحراوي أو تحقيره والتقليل من شأنه، بما في ذلك نعته ب”الفقر السياسي”.

نتمنى أن يسارع بوعشرين إلى الاعتذار عن هذه السقطة التي لا تليق بمن “ينظر” في الشأن العام، حتى لا يصير نموذجا لإساءات مشابهة قد تتسب في تعكير النقاش العمومي بالمملكة، وتقويض السلم الأهلي في عدد من أقاليمها، في حال وجدت طريقها إلى الانتشار، لا قدر الله، فالسعي لتحصيل المشاهدات وتجميع اللايكات لا ينبغي ان يكون مبررا للنيل من المكونات الثقافية بما يقوض المصلحة الوطنية.

نتمنى أن لا تكون سقطة نابعة عن “السهو الذي يكشف القناعة الحقيقة” على رأي فرويد، فمثل هذا الخطاب العنصري المقيت لا ينبغي التساهل او التعايش معه، بل يستدعي الشجب والاستنكار بأشد العبارات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة