النهار24.
المشاورات التي تقودها اليوم فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة الجديدة لا تشبه ما اعتدناه في السنوات السابقة، وهذا هو بالضبط ما يجعلها تستحق التوقف والثناء.
منذ 2011 تعودنا على مشهد محفوظ، زعيم الحزب المتصدر يجمع قادة الأحزاب ، وتبدأ المساومة، كم حقيبة لي وكم حقيبة لك، من يأخذ المالية ومن يأخذ الفلاحة، ومن يرضى بالشباب والرياضة، وكأن الحكومة غنيمة تقسم، وكأن الدولة مائدة طعام، هذا المشهد هو الذي أفقد المغاربة الثقة في السياسة، لأنهم كانوا يرون أن البرامج تكتب في الحملات وتمزق في المشاورات.
ما تفعله المنصوري اليوم هو العكس تماما، وهنا تكمن الحكمة، هي لم تبدأ بتوزيع الحقائب، بل بدأت بتوحيد الرؤى، جلست مع كل حزب ليس لتسأله ماذا تريد من المناصب، بل لتسأله ماذا تريد للوطن، ما هو تصورك لمشكل الماء، ما هو تصورك للتشغيل، ما هو تصورك للصحة والتعليم، ما هو تصورك لمغرب المونديال 2030 ومغرب الأطلسي والداخلة، بهذا السؤال البسيط حولت المشاورات من سوق للمناصب إلى ورشة للبرامج.
وهذا ليس تفصيلا شكليا، بل هو تغيير جوهري في الثقافة السياسية المغربية، لأن المغرب اليوم لا يحتاج حكومة محاصصة، يحتاج حكومة مهمة، والمهمة واضحة وثقيلة، تنزيل الدولة الاجتماعية، إنجاح ورش الحماية الاجتماعية، حل معضلة ندرة الماء ببناء محطات التحلية، خلق فرص الشغل للشباب، وإنجاح ورش البنية التحتية الضخم المرتبط بالمونديال وأنبوب الغاز النيجيري وميناء الداخلة الأطلسي.
كل هذه الأوراش لا يمكن أن تنجح بحكومة مبنية على منطق الغنيمة، من يأخذ ماذا، بل تنجح فقط بحكومة مبنية على منطق المسؤولية، من ينجز ماذا، والمنصوري فهمت هذا بذكاء، فهمت أن المغاربة لم يعودوا يهتمون بمن هو الوزير، بل يهتمون بما سيفعله الوزير، لم يعودوا يسألون من أي حزب هو، بل يسألون هل سيحل مشكلتي أم لا.
هناك أيضا حكمة أخرى في طريقة المنصوري، وهي الهدوء، لم تخرج بتصريحات نارية، لم تسرب أسماء، لم تدخل في مزايدات إعلامية، اشتغلت بصمت، بمنهجية المرأة التي تعرف التدبير، تعرف كيف تدار مراكش، أكبر مدينة سياحية في المغرب، وكيف تدار وزارة السكنى، أكثر الوزارات تعقيدا، التدبير ليس صراخا، التدبير هو أن تسمع أكثر مما تتكلم، وأن تجمع أكثر مما تفرق، وهذا ما تفعله اليوم، تسمع للجميع، حتى لمن لن يشارك في الحكومة، لأنها تريد أغلبية برامجية لا أغلبية عددية فقط.
البعض كان ينتظر أن تراها تتسابق مع الزمن لتعلن عن حكومتها في أسبوع، لكنها اختارت التريث، والتريث هنا ليس ضعفا بل قوة، لأن الحكومة التي تتشكل بسرعة بمنطق تقسيم الكعكة تسقط بسرعة حين تأتي أول أزمة، أما الحكومة التي تتشكل ببطء بمنطق التوافق على البرامج فإنها تصمد، لأن كل حزب فيها لا يدافع عن حقيبة، بل يدافع عن التزام قطعه أمام المواطنين.
بهذا المعنى، فإن مشاورات المنصوري ليست مجرد مشاورات سياسية، بل هي رسالة تربوية للمشهد الحزبي كله، رسالة تقول إن زمن الغنيمة انتهى، وإن زمن المسؤولية بدأ، وإن الحقيبة ليست جائزة ترضية، بل هي أمانة ثقيلة سيسأل عنها صاحبها أمام الوطن وأمام الشعب وأمام الله، ومن لا يستطيع حمل الأمانة فلا يطلب الحقيبة.
المغرب اليوم يقف على عتبة تحول كبير، من مغرب يدبر الأزمات إلى مغرب يبني المستقبل، والمستقبل لا يبنيه من يبحث عن المناصب، بل من يبحث عن الحلول، وما تقوم به المنصوري اليوم هو أنها تبحث عن الحلول قبل أن تبحث عن الأسماء، وهذه هي السياسة الرزينة التي نحتاجها، سياسة أقل كلاما وأكثر عملا، أقل صراخا وأكثر حكمة.
لذلك، حتى قبل أن تعلن الحكومة، يمكن القول إن المنصوري نجحت في أول اختبار لها، اختبار تغيير العقلية، حولت المشاورات من مزاد للمناصب إلى مختبر للبرامج، وهذا في حد ذاته إنجاز سياسي كبير، يعيد شيئا من الثقة التي فقدها المغاربة في السياسة.














