النهار24.
لم يكن تدخل السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، خلال أشغال الندوة الإقليمية للجنة الـ24 المنعقدة في ماناغوا، مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل حمل في طياته رسالة سياسية وقانونية عميقة قد تفتح نقاشا جديدا داخل أروقة الأمم المتحدة بشأن مستقبل معالجة قضية الصحراء المغربية وآليات تدبيرها داخل المنظومة الأممية.
فالدعوة إلى إعادة النظر في استمرار إدراج الملف ضمن جدول أعمال لجنة الـ24 الخاصة بتصفية الاستعمار تطرح سؤالا جوهريا: هل ما تزال قضية الصحراء تُعالج اليوم بالمنطق نفسه الذي أُدرجت به سنة 1963، أم أن التحولات السياسية والقانونية التي عرفتها خلال العقود الستة الماضية تفرض مراجعة هذا التصنيف؟
من تصفية الاستعمار إلى تدبير نزاع إقليمي
عندما بادر المغرب سنة 1963 إلى المطالبة بإدراج الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، كان الهدف واضحا ويتمثل في إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني واستكمال الوحدة الترابية للمملكة. آنذاك كانت القضية تندرج بشكل طبيعي ضمن مسار تصفية الاستعمار الذي كانت الأمم المتحدة تشرف عليه في مختلف أنحاء العالم.
غير أن السياق تغير بشكل جذري بعد سنة 1975، مع صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وتنظيم المسيرة الخضراء، ثم توقيع اتفاقيات مدريد التي أنهت الإدارة الإسبانية للإقليم. ومنذ تلك المرحلة انتقلت القضية من ملف تصفية استعمار إلى نزاع سياسي وإقليمي ذي أبعاد دولية، ما أدى إلى تغير طبيعة المقاربة الأممية المعتمدة بشأنه.
هذا التحول تعزز أكثر مع إنشاء بعثة المينورسو سنة 1991 وإطلاق مسلسل التسوية الأممي، حيث أصبح مجلس الأمن الجهة الرئيسية المكلفة بتتبع الملف عبر قرارات دورية ومفاوضات سياسية ومبادرات لحل النزاع.
إشكالية ازدواجية المعالجة داخل الأمم المتحدة
يرتكز الطرح المغربي اليوم على إشكالية مؤسساتية تتمثل في وجود الملف داخل مسارين أمميين مختلفين؛ الأول تقوده لجنة الـ24 واللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة تحت عنوان تصفية الاستعمار، والثاني يشرف عليه مجلس الأمن باعتباره نزاعا يرتبط بالسلم والأمن الإقليميين.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يخلق نوعا من الالتباس السياسي والقانوني، إذ بينما يتحدث مجلس الأمن في قراراته عن “حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق”، يستمر بعض الأطراف في الاستناد إلى وجود الملف داخل لجنة تصفية الاستعمار لتقديمه وكأنه ما يزال يخضع للمنطق الأممي الذي ساد خلال ستينيات القرن الماضي.
ومن هنا تأتي أهمية الإشارة التي قدمها السفير عمر هلال إلى المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على أن الجمعية العامة لا ينبغي أن تصدر توصيات بشأن نزاع يتولى مجلس الأمن معالجته، إلا بطلب من المجلس نفسه. وهي مادة يعتبرها المغرب سندا قانونيا لإعادة النظر في استمرار معالجة الملف داخل أجهزة أممية لم تعد تضطلع بالدور الرئيسي في تدبيره.
مجلس الأمن يكرس مقاربة جديدة
خلال السنوات الأخيرة، كرست قرارات مجلس الأمن توجها واضحا يقوم على البحث عن تسوية سياسية واقعية ومتوافق بشأنها، بعيدا عن المقاربات التقليدية التي طبعت مرحلة تصفية الاستعمار.
كما ساهمت مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 في إعادة تشكيل النقاش الدولي حول مستقبل النزاع، بعدما حظيت بدعم متزايد من عدد من القوى الدولية المؤثرة، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، التي اعتبرت المبادرة المغربية أساسا جديا وواقعيا للحل.
وبالتوازي مع هذا المسار الدبلوماسي، عزز المغرب حضوره الميداني بالأقاليم الجنوبية عبر مشاريع تنموية كبرى وبنيات تحتية استراتيجية ومؤسسات منتخبة محليا، في إطار ورش الجهوية المتقدمة الذي تراهن عليه المملكة كأحد مرتكزات تدبير شؤون المنطقة مستقبلا.
معركة قانونية ودبلوماسية جديدة
لا يبدو أن النقاش الذي أثاره عمر هلال يقتصر على الجانب الإجرائي داخل الأمم المتحدة، بل يندرج ضمن استراتيجية دبلوماسية أشمل تهدف إلى مواءمة مختلف المسارات الأممية مع التطورات التي عرفها الملف على مدى العقود الماضية.
فالمغرب يسعى اليوم إلى تثبيت قناعة دولية مفادها أن قضية الصحراء لم تعد تُطرح كملف تصفية استعمار بالمعنى التقليدي، وإنما كنزاع سياسي يبحث له مجلس الأمن عن حل تفاوضي دائم. ومن هذا المنطلق، فإن إخراج الملف من لجنة الـ24، إذا تحقق مستقبلا، سيشكل تحولا رمزيا وسياسيا مهما يعكس انتقال القضية نهائيا من مرحلة الجدل التاريخي إلى مرحلة البحث عن تسوية سياسية نهائية.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة واتساع دائرة الدعم لمقترح الحكم الذاتي، يبدو أن المملكة ماضية في تعزيز هذا التوجه داخل الأمم المتحدة، في محاولة لإعادة صياغة الإطار المؤسساتي الذي يناقش داخله الملف، بما ينسجم مع التطورات القانونية والسياسية التي عرفها منذ أكثر من نصف قرن.


















