الحكومة السياسية التي نريد…

الإدارة1 أكتوبر 2026
الحكومة السياسية التي نريد…

النهار24.

بعد تعيين جلالة الملك للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في أسماء الوزراء أو توزيع الحقائب أو هندسة الأغلبية. فالسؤال الأهم اليوم هو: أي حكومة تحتاجها المرحلة المقبلة؟ وفي تقديري، فإن الحاجة الأساسية هي إلى حكومة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة.

والحكومة السياسية لا تعني حكومة حزبيين في مواجهة حكومة كفاءات، لأن هذه الثنائية لم تعد منتجة. المطلوب هو الجمع بين الكفاءة والشرعية السياسية، وبين الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار. فالوزير ليس مديرا عاما لقطاع، والحكومة ليست إدارة مركزية موسعة، بل مؤسسة دستورية مهمتها أن تختار الأولويات، وتحدد الاتجاه، وتتحمل مسؤولية اختياراتها.

أن تكون الحكومة سياسية يعني أن يكون لها مشروع واضح يمكن التعرف عليه، وأن تكون لقراراتها عناوين ومسؤولون. فلا معنى لانتخابات تفرز أغلبية إذا أصبحت المسؤولية بعد ذلك موزعة بين الحكومة والأحزاب والإدارة والظروف. جوهر العمل السياسي أن يعرف المواطن من وعد، ومن اختار، ومن قرر، ومن يتحمل الحصيلة في نهاية المطاف.

كما أن الحكومة السياسية لا ينبغي أن تكون مجرد تجميع لوزارات تعمل كل واحدة بمنطقها الخاص. فمشكلات المجتمع مترابطة: التعليم مرتبط بالتشغيل، والاستثمار بالعدالة المجالية، والصحة بالحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية بالاختيارات الاقتصادية. ومن هنا تأتي وظيفة القيادة الحكومية: أن تصنع الانسجام بين القطاعات، وأن تحول تعدد الوزراء والأحزاب إلى مشروع حكومي واحد واتجاه سياسي واضح.

والسياسة هنا ليست كثرة الخطاب، بل القدرة على تفسير الاختيارات والدفاع عنها وتحمل نتائجها. فالحكومة التي تقرر يجب أن تكون قادرة أيضا على أن تقول للمواطن لماذا قررت، وما الذي تريد تحقيقه، وما الذي تتحمل مسؤوليته إذا لم يتحقق.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي في الحكومة المقبلة لا ينبغي أن يكون فقط على من سيدخلها، بل على كيف ستحكم. هل ستكون حكومة تملك القرار أم حكومة تدبر اليومي فقط؟ هل سيكون الوزير صاحب اختيار سياسي أم مجرد واجهة إدارية؟ وهل ستكون الأغلبية حاملة لمشروع مشترك أم مجرد جمع حسابي للمقاعد؟

الحكومة السياسية التي نريد ليست حكومة شعارات، ولا حكومة تدبير يومي فقط، بل حكومة تعرف إلى أين تريد أن تذهب، وتملك شجاعة الاختيار، ووضوح القرار، ومسؤولية الحساب.

فالإدارة تضمن استمرارية الدولة، أما الحكومة فوظيفتها أن تمنح المرحلة اتجاها سياسيا ومعنى. 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة