النهار24.
لم تكن كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب مجرد تظاهرة كروية عابرة، ولا كان النهائي أمام السنغال مباراة تُختزل في تسعين دقيقة أو في لقب يُرفع ويُطوى معه الحدث.
في الحقيقة، لم يكن المغرب في مواجهة السنغال بقدر ما وجد نفسه في مواجهة العالم بأسره، بكل ما يحمله من نظرات مترصدة، وأحكام مسبقة، وحساسية مزمنة تجاه كل تجربة إفريقية ناجحة تخرج عن القالب التقليدي.
لقد جاء المغرب إلى هذا الموعد القاري وهو يدرك أن النجاح لا يُستقبل دائماً بالتصفيق، وأن التميز يوقظ في النفوس ما لا توقظه الهزيمة.
فالدولة التي اختارت منذ سنوات أن تسلك مسار التقدم بهدوء، دون ضجيج الشعارات ولا استعراض الخطابات، وجدت نفسها محاصَرة بحملة غير معلنة، سببها الوحيد أنها نجحت.
نجحت لأنها آمنت بأن البناء الحقيقي يتم بالصبر، وبالرؤية الواضحة، وبالعمل المتواصل على مختلف الأصعدة: بنية تحتية، تنظيم، أمن، إعلام، واستثمار في الإنسان قبل الحجر.
وقد شكلت كأس أمم إفريقيا، بما رافقها من حضور إعلامي كثيف وكاميرات تنقل التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، مرآة عاكسة لحقيقة ما بلغته المملكة.
لم يعد ممكناً إخفاء الصورة أو التشكيك فيها، فالمشهد كان واضحاً: بلد إفريقي قادر على التنظيم وفق أعلى المعايير، وعلى استقبال العالم بثقة، وعلى إدارة حدث قاري بروح الدولة لا بعقلية الارتجال. وهنا، تحديداً، ازداد الحقد، وتكاثر الحساد، فـ«كل ذي نعمة محسود»، حين تصبح النعمة دليلاً دامغاً لا رأياً قابلاً للنقاش.
ومع ذلك، لم يخسر المغرب شيئاً. بل على العكس، ربح أكثر مما يُقاس بالكؤوس والألقاب.
لقد قدم درساً فكرياً وتنموياً عميق الدلالة، مفاده أن التخلف ليس قدراً إفريقياً محتوماً، ولا التراجع علامة مسجلة باسم القارة. إنما هو خيار غير معلن، يختاره من ارتضى البقاء أسير الماضي، ومن جعل من التباكي على التاريخ بديلاً عن صناعة المستقبل، ومن ملأ قلبه غلاً وحسداً لكل نجاح يراه خارج حدوده.
وإلى جانب كل ما أظهره المغرب من كفاءة تنظيمية ورؤية تنموية، برز عنصر لا تقل أهميته عن الملاعب والبنية التحتية، وهو الإنسان المغربي نفسه.
ذلك المغربي العربي المضياف، الذي لا يستقبلك فقط ببيته وابتسامته، بل بدعائه الصادق الذي يسبق المعاملة ويختمها.
في الأسواق، في الشوارع، في المقاهي، وحتى في أبسط عمليات البيع والشراء، ترافقك عبارتهم العفوية الخالدة: «الله يخلف»، دعاءً لا يُقال مجاملة بل يُمنح عن طيب خاطر.
هم قوم إذا سلمت عليهم دعوا لك، وإذا جاورتهم شملك دعاؤهم وتجاوزك إلى والديك وأهلك، وكأن الخير عندهم لا يُجزّأ. طيبة فطرية لم تصنعها الكاميرات ولا المناسبات، بل رسختها قرون من التعايش والتدين البسيط غير المتكلف. وهنا تتجلى قوة المغرب الحقيقية: دولة تبني بالحجر، لكنها تُقنع بالعِشرة، وتكسب القلوب قبل أن تكسب الرهانات
لقد أثبت المغرب، مرة أخرى، أن إفريقيا قادرة على أن تنجح حين تؤمن بنفسها، وأن تتقدم حين تتحرر من عقدة الضحية، وأن تفرض احترامها حين تختار العمل بدل الشكوى. أما الضجيج العابر، فسيخفت، كما خفت غيره من قبل، ويبقى الأثر، ويبقى الدرس، ويبقى المغرب ماضياً في طريقه بثبات، غير ملتفت إلا لما يستحق الالتفات.


















