النهار24.
يمر قطاع الشحن البحري عالميا بمرحلة تحول عميقة، مع تصاعد الضغوط لخفض الانبعاثات والبحث عن بدائل نظيفة للوقود التقليدي، وفي هذا السياق، تبرز مشتقات الهيدروجين الأخضر، مثل الأمونيا والميثانول، كخيار استراتيجي واعد، يفتح أمام المغرب فرصة لتعزيز موقعه كمركز طاقي وبحري في آن واحد.
يستند هذا الطموح إلى موقع جغرافي فريد للمملكة على مفترق أهم طرق الملاحة العالمية، إلى جانب توفر موارد كبيرة من الطاقة المتجددة، غير أن العنصر الحاسم في هذه المعادلة يتمثل في الموانئ المغربية، التي ينتظر أن تتحول إلى منصات متكاملة لإنتاج وتخزين وتوزيع الوقود الأخضر.
في مقدمة هذه الموانئ، يبرز ميناء طنجة المتوسط باعتباره أحد أكبر موانئ الحاويات في العالم، وموقعه عند مضيق جبل طارق يمنحه أفضلية استراتيجية لتزويد السفن العابرة بالوقود الأخضر، فالميناء، الذي يتعامل حاليا مع كميات كبيرة من الوقود الأحفوري، مرشح ليكون نقطة تحول رئيسية نحو تزويد السفن بوقود منخفض الانبعاثات.
من جهته، يلعب ميناء الجرف الأصفر دورا صناعيا محوريا، بحكم ارتباطه بأنشطة ثقيلة، خاصة صناعة الأسمدة المرتبطة بـالمكتب الشريف للفوسفاط، ويتيح هذا الموقع إمكانية إدماج الأمونيا الخضراء مباشرة في العمليات الصناعية، ما يسهم في تقليص البصمة الكربونية لقطاع حيوي في الاقتصاد المغربي.
أما ميناء المحمدية، فيتميز بميزة فريدة تتمثل في توفر كهوف ملحية قريبة، يمكن استخدامها لتخزين الهيدروجين على نطاق واسع. ويُعد هذا العامل حاسماً في خفض تكاليف الإنتاج والتخزين، مما يعزز تنافسية المغرب في سوق الطاقة النظيفة.
في الجنوب، تبرز منطقة طانطان كقطب مستقبلي لإنتاج الهيدروجين الأخضر، بفضل مواردها الهائلة من الطاقة الشمسية والريحية. ورغم محدودية بنيتها التحتية الحالية، فإن تطوير ميناء في هذه المنطقة قد يجعلها مركزا لإنتاج وتصدير مشتقات الهيدروجين نحو باقي الموانئ والأسواق الدولية.
وتكمن قوة النموذج المغربي في التكامل بين هذه الموانئ، حيث يمكن تصور منظومة متكاملة تقوم على: إنتاج الهيدروجين في طانطان و تخزينه في المحمدية واستخدامه صناعيا في الجرف الأصفر و تزويد السفن به في طنجة المتوسط، هذا التكامل لا يساهم فقط في خفض التكاليف، بل يعزز أيضاً كفاءة سلسلة القيمة بأكملها.
على المستوى الدولي، يتزايد الطلب على الهيدروجين الأخضر، خاصة من أوروبا في إطار خطط الانتقال الطاقي، وهو ما يمنح المغرب فرصة حقيقية ليصبح موردا رئيسيا. كما أن استثماراته في البنية التحتية المينائية، إلى جانب سياسات حكومية داعمة، تعزز هذا التوجه.
لم تعد الموانئ المغربية مجرد نقاط عبور تجاري، بل مرشحة لتصبح محاور استراتيجية في الاقتصاد الأخضر العالمي، تقود تحولا يجمع بين النقل البحري والطاقة النظيفة، ويضع المغرب في قلب خريطة الهيدروجين الدولية


















