النهار24.
حين يختلط الغضب الشعبي بضجيج إشاعات مواقع التواصل الاجتماعي، تضيع أحيانا الحقيقة وسط سيل الاتهامات الجاهزة، ويصبح “الكسّاب” المغربي المهني في نظر البعض المسؤول الأول والأخير عن ارتفاع أسعار الأضاحي، وكأنه وحده من يصنع الأزمة ويتحكم في السوق. غير أن الواقع، كما تكشفه لغة الأرقام والمعطيات الميدانية، أكثر تعقيدا بكثير من تلك الصورة المبسطة التي يتم تداولها داخل مواقع التواصل الاجتماعي.
فما يعيشه قطاع تربية الماشية بالمغرب اليوم ليس أزمة عابرة مرتبطة بموسم عيد الأضحى هذه السنة فقط، بل هو نتيجة سنوات متتالية من الجفاف، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الأعلاف، وتراجع المراعي الطبيعية بسبب التغيرات المناخية الحادة ، وغلاء تكاليف النقل والطاقة والأدوية البيطرية. وهي ظروف قاسية وضعت الفلاح والكساب في مواجهة يومية مع الخسائر والمخاطر، فقط من أجل الحفاظ على القطيع الوطني واستمرار دورة الإنتاج.
لقد أصبح الكساب المغربي يشتغل في بيئة مليئة بالتحديات، حيث لم تعد تربية الأغنام نشاطا سهلا أو مربحا كما يتصور البعض. فاقتناء الخروف بثمن مرتفع، ثم توفير الأعلاف والعناية الصحية والماء والعمل اليومي لعدة أشهر، كلها مصاريف تثقل كاهل المربي قبل أن يصل خروفه إلى السوق ، يتضح أن هامش الربح الحقيقي غالبا ما يكون أقل بكثير مما يعتقده الرأي العام.
ومع ذلك، ظل الكسابة والفلاحون والمهنين أوفياء للأرض ولرسالتهم الإنتاجية، يقاومون الجفاف وصعوبة الظروف الاقتصادية بصبر كبير وإصرار نادر. هؤلاء ليسوا مجرد تجار مناسبات او شناقة (وسطاء)، بل هم جنود حقيقيون في معركة الأمن الغذائي الوطني، يشتغلون في صمت بكل روح وطنية بعيدا عن الأضواء، ويحملون على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الثروة الحيوانية وضمان تموين الأسواق الوطنية.
وفي خضم هذه المرحلة الصعبة، لا يمكن تجاهل المجهودات الكبيرة التي قامت بها وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات لمواكبة ودعم القطاع الفلاحي والتخفيف من آثار الأزمة ، خلال السنوات الأخيرة، عبر إطلاق برامج دعم الأعلاف، وتحسين السلالات، وتعزيز خدمات التأطير البيطري، إضافة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية القطيع الوطني في تقديم دعم مباشر ومساندة المربين في مواجهة تداعيات الجفاف والتقلبات المناخية.
كما عملت الوزارة على تنزيل مجموعة من البرامج المرتبطة بتدبير الموارد المائية، وتطوير الزراعات العلفية، وتشجيع الاستثمار الفلاحي، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز صمود القطاع الفلاحي وضمان استدامته في ظل التحولات المناخية العالمية المتسارعة.
صحيح أن المواطن المغربي يعاني بدوره من غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وصحيح أن هناك حاجة ملحة إلى مزيد من ضبط الأسواق وتحقيق التوازن بين المنتج والمستهلك، لكن من الظلم اختزال أزمة معقدة في اتهامات سطحية أو تصوير الفلاح والكساب وكأنهما أصل المشكلة.
فالواقع أن الجميع تضرر من هذه الأزمة؛ المواطن الذي يبحث عن أضحية بثمن مناسب، والكساب الذي يواجه تكاليف إنتاج خانقة، والدولة التي تحاول الحفاظ على توازن السوق وحماية القطيع الوطني في ظرفية مناخية واقتصادية استثنائية.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب عقلاني ومسؤول، يعترف بحجم التحديات بدل البحث عن “كبش فداء” موسمي، ويؤمن بأن حماية الفلاح والكساب هي في النهاية حماية للأمن الغذائي الوطني واستقرار العالم القروي. لأن البلدان التي تضعف فيها الفلاحة، تضعف فيها القدرة على الصمود أمام الأزمات، وتصبح أكثر عرضة للارتهان للأسواق الخارجية وتقلباتها.
لقد أثبت الفلاح المغربي، عبر عقود طويلة، أنه صمام أمان حقيقي لهذا الوطن، وأنه قادر على الصمود حتى في أصعب الظروف. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يستحق هذا الفلاح كل أشكال الدعم والإنصاف والتقدير، بدل حملات التشويه والتبخيس المشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تتجاهل حجم التضحيات التي يقدمها يوميا.
فالمغرب لا يحتاج اليوم إلى صناعة عدو داخلي جديد، بل يحتاج إلى وعي جماعي يدرك أن إنقاذ القطيع الوطني، وحماية الفلاح، وضمان استقرار السوق، هي مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الجميع، دولة ومؤسسات ومهنيين ومواطنين، من أجل بناء منظومة فلاحية قوية وعادلة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل


















