النهار24.
بين وطأة الجفاف المتواصل وطموح التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، يجد المغرب نفسه أمام معادلة مناخية معقدة تجمع بين تحديات ندرة المياه والرهان على تعزيز موقعه كأحد أبرز الفاعلين في مجال الانتقال الطاقي والمناخي بإفريقيا.
وفي وقت تتزايد فيه تداعيات التغير المناخي على مختلف مناطق القارة الإفريقية، يواجه المغرب واقعا مزدوجا، يتمثل من جهة في واحدة من أشد حالات الجفاف الزراعي بالقارة، ومن جهة أخرى في ريادة متقدمة على مستوى السياسات الرامية إلى الحد من الانبعاثات وتعزيز التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.
وبحسب تقرير مشترك لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ونادي الساحل وغرب إفريقيا التابع لها، والمعهد العالمي للنمو الأخضر، والبنك الدولي، فإن المملكة تجمع بين هشاشة متزايدة أمام الإجهاد المائي ومكانة متقدمة ضمن الدول الإفريقية الأكثر انخراطا في العمل المناخي.
وتكشف المعطيات الواردة في التقرير عن وضع مقلق بالنسبة للقطاع الزراعي المغربي، إذ يسجل المغرب أقوى انحراف في مستويات رطوبة التربة الزراعية ضمن مجموعة الدول الإفريقية التي شملتها الدراسة، مقارنة بالفترة المرجعية الممتدة بين 1981 و2010.
ويعكس هذا المؤشر حجم الضغط المتزايد على الموارد المائية، وما يترتب عنه من تأثير مباشر على الإنتاج الفلاحي، فضلا عن المخاطر التي قد تطال الأمن الغذائي واستقرار المناطق القروية الأكثر ارتباطا بالأنشطة الزراعية.
وفي المقابل، يظهر المغرب تعرضا أقل نسبيا لمخاطر التساقطات المطرية الشديدة مقارنة بعدد من المناطق الإفريقية الأخرى. وتشير التوقعات المتعلقة بالفترتين 2040-2059 و2080-2099 إلى ارتفاع محدود نسبيا في وتيرة الأمطار الغزيرة، بعيدا عن السيناريوهات الأكثر حدة المسجلة أو المتوقعة في مناطق من إفريقيا الوسطى وغرب القارة.
كما يعد المغرب البلد الوحيد ضمن عينة الدراسة الذي تقل فيه نسبة الأراضي الزراعية المعرضة لمخاطر الفيضانات أو الأمطار القصوى عن نصف المساحات المزروعة، وهو ما يعكس طبيعة خاصة للتحدي المناخي الذي تواجهه المملكة، حيث تظل ندرة المياه والجفاف أكبر التحديات، مقارنة بمخاطر فائض التساقطات.
وعلى المستوى الحراري، يحذر التقرير من تصاعد الضغط الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة. ويصنف المغرب ضمن البلدان ذات التعرض المتوسط لأيام الإجهاد الحراري المرتفع، أي عندما تتجاوز الحرارة المحسوسة 32 درجة مئوية وفق مؤشر الإجهاد الحراري العالمي.
غير أن التوقعات المستقبلية تظل مثيرة للقلق، إذ يرجح أن يتواصل ارتفاع عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 35 درجة مئوية خلال الفترة الممتدة بين 2060 و2099، وهو ما يفرض تسريع جهود تكييف البنيات التحتية الحضرية، وإعادة النظر في سياسات التهيئة المجالية، وتعزيز آليات حماية الصحة العامة.
ورغم هذه التحديات، يبرز المغرب كأحد البلدان الإفريقية الأكثر تقدما في مجال العمل المناخي. فقد صنف إطار قياس العمل والسياسات المناخية (CAPMF) المملكة، إلى جانب مصر، ضمن الدول الرائدة في التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون في شمال وغرب إفريقيا.
وخلال الفترة الممتدة بين 2010 و2024، عزز المغرب ترسانته التشريعية والتنظيمية في المجال البيئي والمناخي، معتمدا بالأساس على آليات غير قائمة على السوق، تشمل معايير النجاعة الطاقية، وتنظيمات قطاعي البناء والكهرباء، فضلا عن أطر توفير المعلومات وبرامج المواكبة والدعم.
ويندرج هذا المسار ضمن التزامات المملكة في إطار اتفاق باريس للمناخ، غير أن التقرير يرى أن المغرب، على غرار دول إفريقية رائدة أخرى مثل جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا، لا يزال مطالبا بتعزيز أدواته لتفادي الارتهان لنماذج اقتصادية وتنموية كثيفة الانبعاثات الكربونية.
ويتمثل أحد أبرز الأوراش المطروحة في الإدخال التدريجي لآليات السوق، وعلى رأسها تسعير الكربون. فاعتماد سياسات تنظيمية وتشريعية وحدها قد لا يكون كافيا لتوجيه الاستثمارات الخاصة بالسرعة المطلوبة، بينما من شأن الحوافز الجبائية وآليات تسعير الانبعاثات أن تساهم في تشجيع انتقال رؤوس الأموال نحو القطاعات منخفضة الكربون.
كما يشدد التقرير على أهمية إدماج التكيف مع ندرة المياه ضمن مختلف سياسات التخطيط الترابي. فحدة الجفاف تفرض تنسيقا أكبر بين تدبير الموارد المائية، وتحديث أنظمة الري، وترشيد استعمال المياه، والتحكم في التوسع العمراني.
وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى تعبئة المزيد من التمويلات المناخية الموجهة، خصوصا لفائدة المناطق القروية والفئات الأكثر عرضة للإجهاد المائي، بما يسمح بتعزيز قدرتها على الصمود ودعم مشاريع التكيف في المناطق الهشة.
وبين قسوة الجفاف وطموح الانتقال المناخي، يجد المغرب نفسه أمام تحد حاسم يتمثل في تحويل ريادته في مجال خفض الانبعاثات إلى قدرة فعلية على التكيف مع ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة.
ومع تسارع التحولات المناخية، تبدو العقود المقبلة حاسمة في تحديد مدى قدرة المملكة على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية مواردها الطبيعية وضمان استدامة أمنها المائي والغذائي.














