النهار24.
تظل قضية الصحراء المغربية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية للمملكة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالسيادة الوطنية والوحدة الترابية، وما راكمته من تحولات على مستوى المواقف الدولية والتفاعلات الدبلوماسية، ولم يعد تطور هذا الملف مرتبطا فقط بمسار المفاوضات داخل الأمم المتحدة، بل أصبح يعكس أيضا تحولات أوسع في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع، وفي موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي ضمن الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي هذا السياق، يشكل عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، عقب تعذر اعتماد مشروعي القرار المعروضين على مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026، محطة تستحق قراءة سياسية متأنية، فقد اعتبر بلاغ الديوان الملكي أن هذا التطور يحمل دلالة مهمة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، مؤكدا في الوقت نفسه استمرار المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية، ومواصلة الدينامية الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي.
وتتضح أهمية هذه المرحلة عند ربطها بالقرار الأممي 2797، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل أحد أكثر النتائج قابلية للتطبيق، ويعكس هذا التوجه تقدما في موقع المقترح المغربي داخل المسار السياسي الأممي، كما يؤكد أهمية المبادرة التي قدمها المغرب سنة 2007 باعتبارها تصورا سياسيا ومؤسساتيا يقوم على تدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية.
وفي هذا السياق، يقتضي التوقف عند مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية، والذي لم يقتصر على تمديد ولاية البعثة، بل اقترح أيضا تغيير تسميتها ابتداء من فاتح نوفمبر 2026، بحذف الإشارة الصريحة إلى الاستفتاء، وإعادة توجيه الاهتمام نحو المسار السياسي القائم على التفاوض، مع جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا لمواصلة النقاش، كما دعا المشروع إلى تقديم مقترحات بشأن البنية المستقبلية للبعثة ومواردها وطبيعة مهامها، بما يفتح المجال أمام مراجعة ولايتها وإمكانية تغيير شكل حضورها الأممي. غير أن هذا المشروع لم يحظ بموافقة مجلس الأمن، بعد استخدام روسيا حق النقض، وهو ما حال دون اعتماده، ويقتضي التمييز بين المقتضيات التي تضمنتها الصيغة المقترحة والقرارات التي تم اعتمادها فعليا، إذ لا يمكن اعتبار المشروع قرارا أمميا نافذا أو القول إنه أنهى بشكل صريح مهمة الاستفتاء.
ومن جهة أخرى، تكشف هذه المرحلة عن أهمية الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق ترسيخ المكتسبات، فالمكانة الدبلوماسية التي باتت تحظى بها المبادرة المغربية تفرض مواصلة العمل على تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها بالأقاليم الجنوبية، وتطوير البنيات التحتية، وتحسين جاذبية الاستثمار، وتوسيع فرص الشغل، بما يجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية جزءا أساسيا من مقومات تثبيت السيادة وتعزيز الاندماج الوطني.
كما أن البعد الدولي للقضية يظل حاضرا، خاصة في ظل استمرار الأمم المتحدة في متابعة المسار السياسي، وقد أكد المتحدث باسم الأمين العام، في الأول من نوفمبر 2026، استمرار جهود المنظمة من خلال مبعوثها الشخصي، ويبرز هذا الموقف أن انتهاء ولاية البعثة لا يعني توقف الجهود الأممية، وهو ما يستدعي التمييز بين الوضع المؤسساتي للبعثة وبين استمرار المساعي السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالملف.
وعلى المستوى المؤسساتي، تجدر الإشارة إلى أن مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية ليس مكتبا مستحدثا، بل هو مكتب قائم منذ فترة، وقد جاءت التعليمات الملكية خلال جلسة العمل المنعقدة يوم 4 نوفمبر 2026 لتفعيل دوره في المرحلة الحالية، من خلال تولي مهام التنسيق ومواكبة الإجراءات المرتبطة بإنهاء مهام البعثة الأممية وانسحابها، بما في ذلك تصفية ممتلكاتها وتجهيزاتها، وذلك بتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة، وهو ما يندرج ضمن الترتيبات المؤسساتية والإدارية المصاحبة لهذه المرحلة.
إن الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في تسجيل مكاسب جديدة على مستوى المواقف الدولية، بل في تحويل هذه المكاسب إلى عناصر قوة مستدامة، من خلال دبلوماسية يقظة، وحضور مؤسساتي فعال، وسياسات تنموية تستجيب لانتظارات الساكنة، فالقضايا المرتبطة بالسيادة لا تعزز بالمواقف السياسية وحدها، وإنما أيضا بقدرة الدولة على تحقيق التنمية والاستقرار وترسيخ الثقة في المؤسسات.
وعليه، فإن التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية تفتح المجال أمام مرحلة جديدة تتطلب الجمع بين وضوح الموقف الوطني وواقعية التدبير السياسي، وبين قوة الحضور الدبلوماسي وفعالية الإنجاز الداخلي، فمغربية الصحراء ثابت وطني، وترسيخ هذا الثابت يمر عبر مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتثبيت المكتسبات في مختلف مستويات الفعل السياسي والمؤسساتي.
فالصحراء مغربية، والتحدي اليوم هو مواصلة تحويل هذا الثابت الوطني إلى واقع أكثر رسوخا على المستويات الدبلوماسية والمؤسساتية والتنموية.














