النهار24.
في سياق وطني يتسم بارتفاع منسوب اليقظة الاستراتيجية لمواجهة التحديات المناخية والاقتصادية، تواصل وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات ترسيخ رؤية استراتيجية واضحة، قوامها حماية الرأسمال الحيواني الوطني وتعزيز مقومات السيادة الغذائية، وذلك في انسجام تام مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي ما فتئ يولي عناية خاصة للعالم القروي وللقطاع الفلاحي باعتباره رافعة أساسية للتنمية الشاملة والمستدامة.
وفي هذا الإطار، تكتسي عملية مراقبة الاحتفاظ بإناث الأغنام والماعز وصرف الشطر الثاني والأخير من الدعم المباشر دلالة عميقة تتجاوز بعدها التقني، لتؤكد انخراط الدولة في مقاربة متكاملة تقوم على التتبع الصارم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان توجيه الدعم العمومي نحو تحقيق أهدافه الحقيقية، وفي مقدمتها إعادة تكوين القطيع الوطني على أسس سليمة ومستدامة. فهذه العملية لا تمثل مجرد إجراء إداري عابر، بل هي حلقة مركزية في ورش وطني كبير يروم استعادة التوازن لمنظومة تربية الماشية التي تأثرت بشكل ملحوظ بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وما يعزز من أهمية هذه الخطوة، هو الطابع التشاركي الذي يميز تنزيلها، من خلال التنسيق المحكم بين وزارة الفلاحة ووزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية، إلى جانب التعبئة الشاملة للجان المحلية بمختلف عمالات وأقاليم المملكة، اعتماداً على معطيات دقيقة ناتجة عن عملية الإحصاء الوطني للقطيع ونظام الترقيم. وهو ما يعكس مستوى عالياً من الحكامة الترابية، ويؤكد أن تدبير هذا الملف الحيوي يتم وفق رؤية مؤسساتية مندمجة، قادرة على ضمان النجاعة والشفافية في آن واحد.
إن الإشادة بالمجهودات الكبيرة التي تبذلها وزارة الفلاحة في هذا الورش الوطني ليست مجاملة ظرفية، بل اعتراف موضوعي بدور محوري تضطلع به في حماية الثروة الحيوانية الوطنية، وصون مصدر رزق آلاف الأسر القروية، وتعزيز قدرة القطاع الفلاحي على الصمود في وجه التقلبات. فقد أبانت الوزارة، من خلال هذه المبادرات، عن التزام قوي بمواكبة الفلاحين ومربي الماشية، ليس فقط عبر الدعم المالي، بل أيضاً من خلال التأطير والتتبع والتوجيه، بما يرسخ الثقة في السياسات العمومية ويعزز انخراط الفاعلين في إنجاحها.
وإذا كان صرف الشطر الثاني من الدعم يشكل تتويجاً لهذا البرنامج، فإنه في الآن ذاته يفتح آفاقاً جديدة لمواصلة الإصلاح وتعميق الجهود الرامية إلى إرساء منظومة فلاحية أكثر مرونة وتوازناً. إنها دينامية إصلاحية متواصلة، تؤكد أن الحفاظ على القطيع الوطني ليس خياراً مرحلياً، بل هو رهان استراتيجي يعكس وعياً عميقاً بأهمية الأمن الغذائي، ويجسد إرادة قوية لبناء فلاحة مغربية حديثة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل بثقة وثبات.


















