الفيتو الروسي في الصحراء: نهاية الحياد الأمريكي وبداية العقاب الهادئ للجزائر

الإدارةمنذ 18 ثانية
الفيتو الروسي في الصحراء: نهاية الحياد الأمريكي وبداية العقاب الهادئ للجزائر

النهار24.

لم يكن التصويت اليوم في مجلس الأمن تصويتا على بعثة أممية، كان تصويتا على مستقبل النظام الإقليمي في شمال إفريقيا. حين استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي حول الصحراء المغربية، رغم حصوله على تأييد 11 عضوا وامتناع ثلاثة، فهي لم تسقط قرارا، بل كشفت حقيقة الاصطفاف.

وما قالته الولايات المتحدة بعد الفيتو أهم مما كان في نص القرار نفسه.

أولا: قراءة في الخطاب الأمريكي بعد السقوط

الولايات المتحدة، حاملة القلم، لم تخرج بخطاب احتجاج بروتوكولي. خرجت بخطاب اتهام.

واشنطن قالت ضمنا ما لم تقله علنا: إن موسكو لم تدافع عن مبدأ تقرير المصير، بل استعملت الصحراء كورقة في مقايضة أوكرانيا. والدليل أن واشنطن قدمت كل التنازلات اللغوية الممكنة، أعادت عبارة “تقرير المصير” إلى الديباجة، خففت من “الحل الوحيد” إلى “الأساس الوحيد القابل للتطبيق”، ومع ذلك تم الرفض. إذن الفيتو لم يكن قانونيا، كان سياسيا انتقاميا.

وهنا تكمن الرسالة الثانية: واشنطن أرادت أن تثبت أن عزلة روسيا ليست عسكرية فقط، بل دبلوماسية. حين تحشد 11 صوتا مع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتجبر روسيا على أن تكون وحيدة في خانة الرفض، فأنت تضع موسكو في مواجهة ليس فقط مع الرباط، بل مع العواصم الإفريقية والعربية التي صوتت مع النص.

ثانيا: ما علاقة الجزائر بهذا الفيتو؟

الجزائر ليست بعيدة عن المشهد. الاتصال الهاتفي بين لافروف وعطاف قبل 48 ساعة من التصويت، ورسالة ممثل البوليساريو إلى السفير الروسي، يؤكدان أن الجزائر هي من طلبت الفيتو.

الجزائر راهنت على أن تشتري الحماية الروسية مقابل صفقات سلاح وغاز. لكنها نسيت أن الحماية الروسية اليوم باهظة الثمن وضعيفة الأثر. روسيا التي لا تستطيع حماية مجالها الجوي في البحر الأسود، لن تستطيع حماية أطروحة انفصالية في مجلس الأمن إلى الأبد.

ثالثا: ماذا يمكن أن تفعل أمريكا مع الجزائر الآن؟ وهنا بيت القصيد

الإدارة الأمريكية الحالية براغماتية، لا تؤمن بالعقاب الأيديولوجي، بل بالعقاب المصلحي. وأمامها خمس أوراق لم تستعملها بعد:

1. ورقة تصنيف البوليساريو: واشنطن كانت تلوح بمراجعة وضع البوليساريو كحركة مسلحة تمارس الهجمات ضد مدنيين، خصوصا بعد إدانة مشروع قرارها لهجوم السمارة. الفيتو الروسي يعطيها الذريعة الأخلاقية لتقول: حاولنا الحل السياسي، فعرقلتموه، إذن سنذهب للحل الأمني.

2. ورقة قانون قيصر الجزائري – CAATSA: الجزائر هي أكبر مستورد للسلاح الروسي في إفريقيا. القانون الأمريكي يسمح بفرض عقوبات على كل دولة تبرم صفقات تسليح كبرى مع موسكو. واشنطن جمدت الملف احتراما للتوازن الإقليمي. بعد اليوم، التجميد لم يعد مبررا.

3. ورقة الغاز والطاقة:أمريكا لن تطلب من أوروبا مقاطعة الغاز الجزائري، بل ستطلب ببساطة تسريع مشاريع الربط النيجيري-المغربي-الأوروبي كبديل استراتيجي، وتقديمه كمشروع استقرار في وجه غاز يمول الفيتو الروسي.

4. ورقة حقوق الإنسان والمجال المدني: تقرير الخارجية الأمريكية القادم عن الجزائر سيكون أكثر قسوة. ليس انتقاما، بل رسالة للداخل الجزائري أن كلفة الارتهان لمحور موسكو يدفعها المواطن.

5. الورقة الأهم: قلب المعادلة التفاوضية: أمريكا ستعود بعد أسابيع بنص جديد، لكن هذه المرة لن تساوم. ستجعل التصويت على الحكم الذاتي كمرجعية وحيدة تصويتا تحت الفصل السابع الضمني، أو ستخرج بالملف من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة حيث لا فيتو. وهذا ما تخشاه الجزائر أكثر من أي عقوبة.

الفيتو الروسي لم ينقذ الجزائر، بل ورطها. أعطاها انتصارا تكتيكيا ليوم واحد، مقابل خسارة استراتيجية لسنوات. أظهرها كدولة لا تستطيع الدفاع عن أطروحتها إلا بالوكالة، عن طريق قوة دولية متراجعة.

أما المغرب، فقد ربح دون أن يصوت. ربح إثبات أن 11 دولة في المجلس ترى الحكم الذاتي هو الحل، وأن خصمه يحتاج فيتو نووي ليمنع قرارا.

المعركة القادمة ليست في نيويورك، بل في الجزائر العاصمة. والسؤال ليس ماذا ستفعل روسيا للمغرب، بل ماذا ستفعل أمريكا بالجزائر حين تقرر أن الحياد لم يعد ممكنا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة