المغرب بين مسيرة الأمس و وحدة اليوم

الإدارةمنذ ساعة واحدة
المغرب بين مسيرة الأمس و وحدة اليوم

النهار24.

يستعد المغرب، يوم 31 أكتوبر 2026، للاحتفاء لأول مرة بعيد الوحدة، في مناسبة وطنية جديدة تحمل دلالات تاريخية ورمزية عميقة، وتفتح المجال أمام المغاربة لاستحضار معاني الوحدة الوطنية والترابية، وتجديد الارتباط بتاريخ المملكة وهويتها ومصيرها المشترك.

ويأتي إقرار هذا العيد الوطني بموجب القرار المعلن عنه في بلاغ للديوان الملكي بتاريخ 4 نونبر 2025، الذي نص على جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة مناسبة وطنية تحت اسم «عيد الوحدة»، ارتباطاً بالتطورات التي عرفتها القضية الوطنية، واستحضاراً لقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025.

إن الاحتفال الأول بعيد الوحدة ليس مجرد إضافة تاريخ جديد إلى قائمة الأعياد الوطنية، بل هو مناسبة لاستحضار مسار طويل من التضحيات والجهود التي بذلها المغاربة عبر الأجيال، دفاعاً عن وحدة وطنهم وصوناً لروابطهم التاريخية والحضارية. كما يشكل فرصة لتعميق الوعي بقيمة الوحدة باعتبارها مسؤولية جماعية تتجاوز الشعارات، لتترجم إلى سلوك مواطناتي يومي، وإلى عمل جاد من أجل التنمية والتضامن والتكافل.

عيد الوحدة.. ذاكرة وطنية ومستقبل مشترك:

تستمد هذه المناسبة أهميتها من كونها تضع مفهوم الوحدة في صلب الذاكرة الوطنية، وتدعو إلى استحضار الروابط التي تجمع مختلف جهات المملكة، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. فالمغرب، بتنوعه الثقافي واللغوي والاجتماعي، يمثل فضاءً مشتركاً تتكامل فيه الخصوصيات المحلية ضمن هوية وطنية جامعة.

ومن هذا المنطلق، فإن عيد الوحدة يشكل فرصة لتعزيز ثقافة الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن، وترسيخ قيم المواطنة والتعايش واحترام التنوع، خاصة لدى الأجيال الصاعدة التي تحتاج إلى معرفة تاريخ بلدها واستيعاب التحولات التي يشهدها، والمساهمة بوعي ومسؤولية في بناء مستقبله.

كما تتيح هذه المناسبة المجال أمام المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والجمعوية لتنظيم مبادرات وأنشطة تسهم في التعريف بتاريخ الوحدة الوطنية، وإبراز دور المواطن في حماية المكتسبات الوطنية، وربط الاعتزاز بالهوية بالعمل والإنتاج والإبداع.

بين رمزية الوحدة ورهانات التنمية:

لا تكتمل دلالات الوحدة الوطنية إلا بترجمتها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية. فالتنمية المتوازنة بين الجهات، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، كلها عناصر تسهم في تقوية الروابط بين المواطن ووطنه، وتجعل الانتماء الوطني تجربة حية تتجسد في الحقوق والواجبات والفرص المتكافئة.

ومن هنا، يمكن أن يشكل عيد الوحدة مناسبة لفتح نقاش عمومي مسؤول حول سبل تعزيز التضامن بين الجهات، ودعم المبادرات المحلية، وتشجيع مشاركة الشباب في الحياة العامة، وترسيخ قيم المسؤولية المشتركة. فالوحدة ليست فقط إرثاً تاريخياً يُحتفى به، بل هي أيضاً مشروع مستمر يتطلب مشاركة الجميع، كل من موقعه وإمكاناته.

وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى مغاربة العالم، الذين يظلون جزءاً من النسيج الوطني، ويساهمون في تعزيز حضور المغرب في الخارج، والحفاظ على روابطهم الثقافية والاجتماعية مع بلدهم الأم.

عيد الوحدة والمسيرة الخضراء.. محطتان في الذاكرة الوطنية:

ويأتي الاحتفال بعيد الوحدة قبل أيام قليلة من تخليد ذكرى المسيرة الخضراء في السادس من نونبر، بما يجعل نهاية شهر أكتوبر وبداية شهر نونبر فترة تستحضر فيها الذاكرة المغربية محطات بارزة من تاريخها الوطني.

وإذا كانت المسيرة الخضراء تستحضر حدثاً تاريخياً مفصلياً ارتبط بالمشاركة الشعبية في مسار استكمال الوحدة الترابية، فإن عيد الوحدة يقدم مناسبة سنوية جديدة للتأمل في معاني التلاحم الوطني، واستحضار المسؤولية المشتركة تجاه حاضر المملكة ومستقبلها.

وتظل لكل مناسبة خصوصيتها التاريخية ورمزيتها، غير أن اجتماعهما في الذاكرة الوطنية يتيح فرصة لتجديد النقاش حول أهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية ونقلها إلى الأجيال المقبلة، بعيداً عن الاكتفاء بالمظاهر الاحتفالية، وبما يعزز الفهم الواعي للتاريخ الوطني.

رسالة إلى الأجيال المقبلة:

إن تخليد أول عيد للوحدة في المغرب يضع أمام المجتمع مسؤولية تحويل هذه المناسبة إلى فرصة للتربية على المواطنة، ونشر قيم التضامن والتسامح، وتشجيع المبادرات التي تجمع المواطنين حول أهداف مشتركة تخدم الصالح العام.

فالوحدة الحقيقية تتعزز حين يشعر كل مواطن بأن له مكاناً في وطنه، وأن كرامته وحقوقه وفرصه في المشاركة والتنمية تحظى بالاهتمام، وحين يدرك أن الاختلاف في الآراء والتجارب والثقافات يمكن أن يكون مصدر غنى، ما دام يجمع الجميع احترام الوطن والقانون والمسؤولية المشتركة.

وفي هذه المحطة الوطنية الأولى، تتجدد الدعوة إلى جعل الوحدة قيمة يومية تُترجم في المدرسة والأسرة ومكان العمل والفضاء العام، وفي كل مبادرة تسهم في خدمة المجتمع وتقوية الثقة بين أفراده ومؤسساته.

إن عيد الوحدة، في نهاية المطاف، ليس مجرد ذكرى تُضاف إلى الروزنامة الوطنية، بل فرصة للتفكير في مغرب المستقبل؛ مغرب يعتز بتاريخه، ويصون وحدته، ويستثمر تنوعه، ويجعل من التنمية والعدالة والتضامن دعائم أساسية لتقوية انتماء أبنائه.

وهكذا، يحمل يوم 31 أكتوبر معنى يتجاوز الاحتفال الأول: إنه موعد لتجديد الالتزام بوطن يجمع أبناءه، وذاكرة تستحضر تضحيات الماضي، وإرادة تتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً وتماسكاً، تكون فيه الوحدة أساساً للبناء المشترك ومسؤولية تتقاسمها

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة