إخراج ملف الصحراء المغربية من مجلس الأمن.. نهاية مرحلة التدبير الأممي وبداية اختبار التحول الدبلوماسي

الإدارةمنذ ساعة واحدة
إخراج ملف الصحراء المغربية من مجلس الأمن.. نهاية مرحلة التدبير الأممي وبداية اختبار التحول الدبلوماسي

النهار24.

يشكل التطور الذي عرفه ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر 2026 منعطفا في مسار النزاع الإقليمي، ليس فقط بسبب عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، التي استمرت في الأقاليم الجنوبية للمملكة منذ سنة 1991، وإنما أيضا بسبب الموقف الذي عبّر عنه الديوان الملكي، والذي يذهب أبعد من مسألة إنهاء مهمة البعثة الأممية، إلى المطالبة بإنهاء التعاطي الدوري لمجلس الأمن مع القضية وسحبها من جدول أعماله.

 ويعكس هذا الموقف توجها مغربيا نحو الانتقال من مرحلة ظلت فيها القضية خاضعة لآليات التدبير الأممي المتكرر، إلى مرحلة جديدة يراد لها أن تقوم على إعادة تحديد الإطار السياسي والدبلوماسي الذي تتم من خلاله معالجة النزاع.

ويكتسي هذا التحول أهميته من طبيعة السياق الذي جاء فيه؛ فالمينورسو لم تكن مجرد بعثة لحفظ السلام، بل ارتبط وجودها منذ تأسيسها سنة 1991 بمسار أممي استند إلى مقترحات التسوية وإجراء استفتاء لم يتم التوصل إلى شروط تنظيمه، بسبب الخلافات المستمرة حول تحديد الهيئة الناخبة وطبيعة الحل النهائي.

 وعلى امتداد 35 سنة، تحولت اجتماعات مجلس الأمن وتقارير الأمين العام وإحاطات المبعوث الشخصي إلى آليات دورية لإدارة النزاع، دون أن تنجح في إنتاج تسوية نهائية.

 ومن هذا المنطلق، يقرأ المغرب عدم تجديد ولاية البعثة باعتباره فرصة لإنهاء مرحلة طويلة من الجمود، وليس مجرد قرار تقني مرتبط باستمرار مهمة حفظ السلام.

غير أن القراءة الدقيقة لما جرى داخل مجلس الأمن تقتضي التمييز بين عدم تجديد ولاية المينورسو وبين اتخاذ قرار أممي رسمي بسحب ملف الصحراء المغربية من جدول أعمال المجلس.

فالتطور الذي وقع يوم الجمعة لم يكن نتيجة توافق دولي على إنهاء الملف، وإنما جاء بعد فشل مشروع القرار الأمريكي إثر استخدام روسيا حق النقض، ثم عدم حصول المشروع الروسي المنافس لتمديد ولاية البعثة على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، إذ لم يحظ سوى بثلاثة أصوات مؤيدة. وبذلك انتهت المفاوضات داخل المجلس دون اعتماد قرار جديد يمدد مهمة المينورسو. وهذه نقطة أساسية، لأن عدم تجديد الولاية لا يعني، من الناحية المؤسساتية، أن مجلس الأمن اتخذ بالفعل قرارا بإغلاق ملف الصحراء أو حذف القضية من جدول أعماله؛ بل إن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطا بتطورات ومواقف لاحقة داخل المنظمة الأممية.

وتكشف هذه النتيجة، في المقابل، عن عمق التباين بين القوى الدولية بشأن مستقبل النزاع. فالولايات المتحدة دفعت نحو صيغة تربط المفاوضات بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، مع إعادة النظر في طبيعة المهمة الأممية وإنهاء دورها بصيغته السابقة، بينما عارضت روسيا المشروع الأمريكي، معتبرة أن الصيغة المقترحة تنطوي على انحياز مسبق لموقف أحد أطراف النزاع.

 وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي من ضمان أغلبية كافية لتمديد المهمة. وهكذا وجد مجلس الأمن نفسه أمام انسداد في التوافق حول مستقبل المينورسو، وهو ما يفسر انتهاء ولايتها دون تمديد، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع أعضائه يتبنون التصور المغربي بشأن إنهاء المسار الأممي.

ومن الزاوية الجيوسياسية، يحمل بلاغ الديوان الملكي رسالة تتجاوز البعد المؤسساتي، إذ يضع مسألة الصحراء المغربية ضمن سياق التحولات التي عرفتها موازين الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

فالإشارة إلى تأييد أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها دول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، تستهدف إبراز أن المغرب لم يعد يتعامل مع القضية باعتبارها ملفا ينتظر تسوية داخل المؤسسة الأممية، وإنما باعتبارها قضية تتقدم فيها مقاربته السياسية عبر الاعترافات والمواقف الثنائية والإقليمية.

ومن هنا تأتي أهمية تأكيد الديوان الملكي استمرار الدينامية الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي، بما يعني أن التحرك المغربي لا يتجه إلى الانسحاب من الساحة الدولية، بل إلى إعادة توجيه مركز الثقل الدبلوماسي نحو مسارات أخرى أكثر ارتباطا ببناء الدعم السياسي وتكريسه في علاقات المغرب الدولية.

أما على مستوى التداعيات الميدانية، فإن انتهاء ولاية المينورسو يفتح نقاشا حول مستقبل آليات مراقبة وقف إطلاق النار، في ظل استمرار التوترات العسكرية منذ استئناف جبهة البوليساريو أعمالها المسلحة سنة 2020.

فوجود البعثة كان يوفر قناة أممية للمراقبة وتبادل المعلومات ورصد التطورات الميدانية، وبالتالي فإن غيابها يطرح أسئلة بشأن الآليات التي ستعوض هذه الوظائف، ومدى انعكاس ذلك على الاستقرار الإقليمي.

ولهذا حرص الديوان الملكي على إعادة التأكيد على تشبث المغرب بوقف إطلاق النار، مع التشديد على حماية الوحدة الترابية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، في إشارة إلى أن إنهاء مهمة البعثة لا يعني التخلي عن الالتزامات المرتبطة بتجنب التصعيد.

إن إخراج ملف الصحراء المغربية من مجلس الأمن، كما يطالب بذلك بلاغ الديوان الملكي، يمثل توجها استراتيجيا لإعادة صياغة قواعد التعامل مع النزاع، لكنه يظل هدفا سياسيا ودبلوماسيا لم يتحول بعد إلى قرار مؤسساتي أممي. فالتحدي المقبل لا يرتبط فقط بإنهاء وجود المينورسو، وإنما بمدى قدرة المغرب على نقل المكتسبات التي راكمها في ملف الصحراء إلى مستوى جديد من التثبيت الدولي، وتوسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بالتوازي مع تدبير التداعيات الأمنية والقانونية والسياسية لغياب البعثة.

 وبذلك، فإن ما حدث يوم 30 أكتوبر لا يمثل إعلانا أمميا عن تسوية النزاع، بقدر ما يفتح مرحلة جديدة تتراجع فيها آليات التدبير السابقة، بينما يظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بمدى نجاح المقاربة المغربية في تحويل التحولات الدبلوماسية إلى واقع سياسي ومؤسساتي مستقر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة