دفاعا عن “فاطمة الزهراء المنصوري” وعن حقها في أن تتكلم كما هي

الإدارة26 أكتوبر 2026
دفاعا عن “فاطمة الزهراء المنصوري” وعن حقها في أن تتكلم كما هي

النهار24.

قرأت المقال المنشور في “العربي الجديد” بعنوان “بمناسبة لغة فاطمة الزهراء المنصوري العربية”، لرئيس تحرير الجريدة نفسها “معن البياري” وهو لا يكتفي بانتقاد تعثرها في قراءة نص بالفصحى، حيث ينقل النقاش إلى سؤال الانتماء الثقافي، ويصف المشهد بأنه صادم ومحرج، ثم يوسعه إلى محاكمة لغوية لعدد من السياسيين العرب. 

والمدخل الأقوى للرد عليه ليس إنكار قيمة العربية الفصحى، ولا الادعاء بأن المسؤول السياسي معفى من تطوير لغته، وإنما كشف الخلل في المعيار الذي يجعل سلامة اللسان مقياسا للكفاءة، ويكاد يحول التعثر في النطق إلى تهمة في المواطنة الثقافية.

ثمة يا صديقي (بلكنة شعبية لأهل مصر) مقالات تظن أنها تنتصر للغة، بينما هي -من حيث لا تدري- تنتصر لوصاية قديمة على الناس؛ وثمة أقلام تتوهم أنها تدافع عن الثقافة، فإذا بها تختزل الثقافة في مخارج الحروف، والهوية في مخارج الأصوات والكفاءة في القدرة على عبور جملة فصيحة من دون عثرة.
ومن هذا الباب يأتي مقالكم الذي اتخذ من تعثر ابنتنا “فاطمة الزهراء المنصوري” في قراءة نص بالعربية الفصحى مناسبة لمحاكمة أوسع، كأن اللسان حين يتعثر يسقط صاحبه من مقام الأهلية، وكأن السياسة امتحان في الإعراب، وكأن الشعب لا يستحق أن يمثله إلا من يحسن الوقوف على أواخر الكلمات.
وهنا ينبغي أن نبدأ من السؤال الذي غاب عن المقال؛ أنحن بصدد الدفاع عن العربية، أم بصدد صناعة طبقة من حراسها يمنحون صكوك الانتماء لمن يشاؤون، وينزعونها عمن لا يروق لهم أداؤه؟
طيب.. لنحسم الأمر منذ البداية؛ العربية الفصحى ليست موضع خصومة، ولا الدفاع عنها يحتاج إلى خصم من لحم الناس ودمهم؛ فهي لغة تاريخ ومعرفة ووجدان، ووعاء من أوسع أوعية الثقافة العربية، ومن حقها علينا أن نتعلمها ونحسن استخدامها ونصون مكانتها في التعليم والإدارة والسياسة، لكن حب اللغة شيء وتحويلها إلى محكمة أخلاقية شيء آخر؛ فاللغة التي تستعمل لإذلال المتعثرين تفقد من رسالتها بقدر ما يظن مستعملوها أنهم يرفعون من شأنها، وليس من الوفاء للعربية أن نجعلها عصا نقيس بها كرامة الناس، وإنما أن نجعلها جسرا يوسع قدرتهم على التعبير ويمنحهم أدوات أرقى للتفكير والمشاركة.
إن الخطأ الأول في هذا النوع من النقد هو الخلط بين سلامة الأداء وسلامة الفكرة، وبين جودة النطق وجودة القرار، وبين القدرة على قراءة نص مكتوب والقدرة على إدارة واقع معقد.
هذه ملكات قد تجتمع في شخص وقد تفترق في آخر؛ ولا توجد قاعدة عقلية تجعل المتقن للإعراب بالضرورة أعدل في الحكم، أو الأبلغ في التدبير، أو الأصدق في خدمة الناس.
قد يتعثر المرء في لفظ كلمة أو كلمات، ثم يصيب في تقدير عدة مواقف؛ وقد ينساب لسانه في أفصح العبارات، ثم تتعثر يداه حين يطلب منه إنجاز ملموس.
فهل نزن المسؤولين بما تنجزه ألسنتهم، أم بما تقتضيه مسؤولياتهم من معرفة ونزاهة وقدرة على الفعل؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يتصدر المقالات السياسية، لا أن يدفن تحت فراغ التصحيح اللغوي.
ثم إن القراءة من ورقة ليست ارتجالا، والارتجال ليس خطابا مكتوبا، والخطاب المكتوب ليس بالضرورة امتحانا في الملكة اللغوية.
قد يقرأ المرء نصا صيغ بلغة لا يستعملها يوميا، فتخذله مخارج الحروف أو يضطرب إيقاع الجملة على لسانه، أو يثقل عليه تركيب لم يشارك في صياغته. وهذا لا يعفيه من مسؤولية تطوير أدواته، لكنه لا يجيز لنا أن نستخرج من عثرة واحدة حكما نهائيا على علاقته باللغة أو ثقافته أو استحقاقه السياسي. إن الإنصاف يقتضي أن نميز بين ملاحظة صحيحة وحكم متضخم؛ نعم، كان يمكن أن تكون القراءة أفضل؛ ولا يلزم من ذلك أن صاحبتها غريبة عن لغتها أو غير جديرة بأن يسمعها الناس.
وأما الحديث عن “فاطمة الزهراء المنصوري” فلا يستقيم إذا عزلناها عن السياق المغربي الذي تتشكل فيه علاقة الناس باللغة. فالمغرب ليس مختبرا لغويا تقارب فيه الهوية بمقدار الاقتراب من نموذج واحد في النطق والتعبير؛ إنه فضاء تاريخي متعدد الروافد، تتجاور فيه العربية الفصحى والدارجة المغربية والأمازيغية والحسانية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات، وتتفاوت وظائفها باختلاف المقامات والتعليم والتجارب الاجتماعية؛ وهذا التعدد لا يعتبر رخصة لإهمال الفصحى، ولكنه أيضا ليس جريمة ينبغي أن يدفع ثمنها كل من لم ينشأ في بيئة تجعلها لغة حديثه اليومي.
ففهم المغرب يا صديقي، يبدأ من الاعتراف بالمغرب كما هو، لا من مطالبته بأن يتكلم كما يتخيله مراقب جالس خارج تفاصيله.
هنا بالذات ينبغي أن نتحدث عن الدارجة المغربية، باعتبارها لغة الحياة اليومية التي يتبادل بها المغاربة أفراحهم ومخاوفهم وأسئلتهم وشكاواهم؛ بها يتحدث الأب إلى ابنه، والتاجر إلى زبونه، والعامل إلى رفيقه، والمواطن إلى ممثله؛ وفيها تختزن الذاكرة الشعبية صورا من التاريخ والحكمة والفكاهة والألم، لا تستطيع أي لغة أن تمحوها بقرار إداري.
والدارجة ليست نقيضا للعربية، فهي تنتمي إلى فضاء لغوي أوسع، مع ما تحمله من خصائص مغربية وروافد تاريخية متعددة، ومن يتعامل معها باعتبارها علامة نقص ثقافي لا يكشف عن نقص في لسان المتكلم، بقدر ما يكشف عن ضيق في تصوره لمعنى اللغة نفسها.
فماذا لو كانت المنصوري، وهي تتحدث بالدارجة المغربية، أقرب إلى وجدان جمهور من المواطنين من مسؤول آخر يلقي عليهم خطابا فصيحا لا يلامس حياتهم؟
ماذا لو كانت لكنتها المراكشية، بما تحمله من نبرة محلية وإيقاع مألوف، تجعلها أكثر حضورا في آذان الناس من خطيب يتقن البيان ولا يتقن الإصغاء؟
أليست السياسة، في أحد أعمق معانيها، قدرة على بناء الصلة بين من يتولى المسؤولية ومن يتحملون نتائجها؟
إن الناس لا يستقبلون الكلمات بمعاجمهم وحدها؛ هم يستقبلونها أيضا بذاكرتهم وثقتهم وخبرتهم بمن يخاطبهم. وقد تكون كلمة عامية صادقة الأثر أبلغ في وجدان السامع من فقرة فصيحة محكمة الصنعة، لأن البلاغة ليست هندسة العبارة فحسب.. هي إصابة المعنى لموضعه في النفس.
وليس المقصود بذلك أن نحسم، من دون دليل، أسباب الشعبية أو نتائج الانتخابات، ولا أن ننسب إلى المنصوري أصواتا لم تثبتها معطيات محددة؛ إنما المقصود أن نفهم مبدأ سياسيا بسيطا؛
لا يجوز اختزال علاقة الناس بممثليهم في جودة الأداء اللغوي، فالأصوات الانتخابية -حيثما وجدت- لا تمنح في مسابقة للإلقاء، فهي تتأثر بتصورات الناخبين عن الشخص والبرنامج والانتماء والقدرة على الإنجاز، وبعوامل متشابكة تختلف من سياق إلى آخر.
ومن ثم، فإن القول إن جمهورا ما أحب سياسيا بسبب لهجته وحدها تبسيط لا يقل خللا عن القول إنه رفضه بسبب خطأٍ لغوي واحد.
أما المؤكد فهو أن اللهجة ليست عيبا في ذاتها، وأن فهم المواطن لا يحتاج دائما إلى وسيط فصيح كي يكون فهما كاملا.
إن المقال الذي يجعل من الفصحى معيارا وحيدا للانتماء يقترب -من حيث لا يشعر- من تحويل اللغة إلى رأسمال رمزي تحتكره فئة وتطالب الآخرين بإثبات أهليتهم أمامها. هنا لا تعود اللغة أداة للتفاهم، تصبح أداة للفرز يا صديقي؛ لا تعود بابا للمعرفة، وإنما حارسا على باب المجتمع.

ومن أخطر ما في هذا المنطق أنه يخلط بين امتلاك أداة ثقافية وامتلاك الحقيقة، وبين القدرة على التعبير بمعيار معين والحق في المشاركة في الشأن العام. فهل ينبغي أن يكون المواطن أقل استحقاقا لأن نطقه مختلف؟
وهل تصبح خبرته في الحياة أقل قيمة لأنه لا يحسن صياغتها وفق قواعد النحو؟
إن المجتمع الذي يرفع شروط التعبير فوق شروط العدالة قد ينتهي إلى إقصاء من يستحق أن يسمع، والإعجاب بمن يعرف كيف يبدو جديرا بالاستماع.

ولعل المفارقة الأوضح أن الدفاع عن العربية لا يتحقق بإحراج من يتعثر فيها، وإنما بإزالة الأسباب التي تجعل التمكن منها امتيازا متفاوت التوزيع؛ فإذا أردنا مسؤولين يتحدثون الفصحى بثقة وسلامة، فعلينا أن نسأل عن التعليم، وعن تكوين الأطر، وعن لغة الإدارة، وعن موقع العربية في الجامعة والبحث العلمي، وعن سياسات لغوية تجعلها لغة معرفة حية، لا مجرد نصوص تقرأ في المناسبات، أما أن ننتظر من الفرد أن يعالج وحده اختلالات مؤسساتية ممتدة، ثم نحمله وزرها علنا، فذلك أشبه بمن يطالب الثمرة بأن تعتذر عن فقر التربة. المسؤولية الفردية قائمة، نعم؛ لكنها لا تلغي مسؤولية المدرسة والمؤسسة والسياسة التعليمية والمجتمع.

ومن هنا، فإن المطالبة بأن يتدرب المسؤولون على العربية الفصحى مطالبة معقولة في أصلها، خصوصا حين يتعلق الأمر بخطاب رسمي موجه إلى عموم المواطنين، لكن المعقول يفقد توازنه عندما يتحول إلى ادعاء أن كل تعثر استخفاف، أو أن كل خطأ دليل ازدراء، أو أن كل مسؤول لم يتكون تكوينا لغويا مثاليا إنما يعادي لغة بلده.

فالاستخفاف موقف يحتاج إلى قرائن، والخطأ أداء قد تكون له أسباب كثيرة، ولا يجوز أن نستبدل بالدليل انطباعا، وبالتحليل إدانة جاهزة.

إن من يطالب بالصرامة في اللغة ينبغي أن يكون صارما بالقدر نفسه في المنطق، وأن يحسن التفريق بين ما رآه وما استنتجه، وبين الواقعة وتأويلها، وبين النصيحة العادلة والوصم الذي يتجاوز حدودها.

ثم إن وضع المسؤول أمام الكاميرات، ومراقبة كل حركة من لسانه، قد يصنع مشهدا مثيرا للتداول، لكنه لا يصنع بالضرورة نقدا سياسيا جادا؛ فالنقد الذي يكتفي بإبراز عثرة صوتية يترك السؤال الأهم بلا جواب..
ماذا عن مضمون البرنامج الحكومي؟
ما مدى واقعية الوعود؟
ما كلفة السياسات المقترحة؟
ما أثرها المتوقع في حياة الناس؟
أين تتجلى المحاسبة في الأرقام والقرارات والنتائج؟

إن السياسة يا صديقي ليست مسرحا للإلقاء، والدولة ليست فصلا دراسيا، والشعب ليس لجنة لتصحيح الأخطاء. وإذا أصبحت زلة اللسان أكثر إثارة من خلل القرار، فقد نكون أمام إعلام يربح المعركة الصغيرة على حساب المعركة الكبرى؛ معركة مساءلة السلطة عما تفعله.

ولست أرى في هذا الدفاع عن المنصوري مطالبة بمنحها حصانة من النقد، ولا تحويلها إلى شخصية فوق المساءلة؛ فالمرأة التي تتولى مسؤولية عامة تسأل عن أدائها، مثلما يسأل الرجل.. وعن قراراتها وبرامجها، ومدى وفائها بالتزاماتها، لكن المساواة الحقيقية تقتضي ألا نختار لها معيارا من معايير الإذلال الرمزي ثم نقدمه في ثوب الغيرة على اللغة.

حاسبوها على ما يمكن فحصه، على مواقفها وقراراتها ونتائج عملها، ومدى استجابتها لحاجات المواطنين.

وإذا كانت تحتاج إلى تحسين قراءتها بالفصحى، فهذه ملاحظة يمكن قولها بوضوح واحترام، لا تحويلها إلى محاكمة لشخصيتها الثقافية، وقبل كل شيء من أنت حتى تطالب بكل هذا !

إن احترام المرأة في السياسة لا يعني إعفاءها من النقد، كما أن نقدها لا يمنح الناقد حق الانتقاص منها.

ولا ينبغي أن يغيب عنا أن اللكنة هي أثر من آثار المكان والتاريخ والتنشئة، فلكل مدينة إيقاعها، ولكل بيئة مفرداتها، ولكل لسان موسيقاه التي قد تألفها الأذن أو تستغربها، من غير أن يكون الألف أو الاستغراب حكما على ذكاء صاحبه أو أهليته، واللكنة المراكشية هي ملمح من ملامح التنوع المغربي؛ وهي -كسائر اللهجات- تستحق أن تفهم في سياقها لا أن تعرض على ميزان يطلب منها أن تتنصل من نفسها.

وما أجمل أن يستطيع الإنسان أن يرتقي في الفصحى من دون أن يخجل من دارجته، وأن يتقن لغة المؤسسات من دون أن يتبرأ من لغة بيته، وأن يوسع أفقه اللغوي من دون أن يمحى أثر المكان الذي جاء منه.

إن الهوية ليست امتحانا شفهيا يعاد كلما فتح المرء فمه، وليست بطاقة عضوية تسقط بانكسار نبرة أو اضطراب حركة. الهوية علاقة مركبة بالذاكرة والمكان والتاريخ والناس، وهي أوسع من أن تختزل في أداء واحد، وأعمق من أن يختبرها مقال عبر مشهد عابر.

والمغربي لا يصبح أقل مغربية لأنه يتحدث الدارجة، كما لا يصبح أكثر انتماء لمجرد أنه يرفع المنصوب وينصب المجرور.
ولعل السؤال الفلسفي الذي ينبغي أن نطرحه هو لمن توجد اللغة؟

أللناس، كي يتفاهموا ويبدعوا ويختلفوا ويتعلموا، أم يوجد الناس للغة، كي يثبتوا لها ولحراسها أنهم يستحقون الكلام؟
فإذا جعلنا القواعد غاية مستقلة عن التواصل، تحول النحو من علم يوضح المعنى إلى سلطة تعاقب المتكلم.

وإذا جعلنا الفصحى حاجزا بين المواطن ومؤسساته، بدل أن نجعلها جسرا بينهما، فقد أفرغناها من إحدى أهم وظائفها الحضارية، وليس في ذلك دعوة إلى الفوضى اللغوية، بقدر ما نحتاج إلى ترتيب الأولويات؛ القاعدة تخدم البيان، والبيان يخدم المعنى، والمعنى يخدم الإنسان.

ولنفترض جدلا، أن مسؤولا آخر ألقى خطابا بليغا، لا عثرة فيه ولا اضطراب، ثم جاءت قراراته بعيدة عن حاجات الناس، أو أخفقت سياساته في تحقيق ما وعد به؛ هل يمنحه حسن الإلقاء رصيدا أخلاقيا يعوض به فشل التدبير؟

وهل تكفي فصاحة اللسان لإثبات نزاهة اليد أو رجاحة العقل؟

بالطبع لا. وبالمثل، لا يجوز أن نعامل تعثرا لغويا باعتباره حكما شاملا على الكفاءة السياسية.

إن الفصاحة ميزة نافعة، والتدريب عليها واجب مهني في بعض المقامات، لكنها ليست بديلا عن النزاهة ولا شهادة في الحكمة.
وقد يكون المسؤول بليغا في العبارة فقيرا في الرؤية، وقد يكون محدود الأداء اللغوي قادرا على فهم بعض مشكلات الناس والتعامل معها بجدية؛ والحكم العادل هو الذي يختبر كل ملكة بمعيارها، وكل مسؤولية بما تستلزمه.

ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نطالب بمستوى لغوي أفضل في المؤسسات العامة، وأن نرفض تحويل الضعف في العربية إلى أمر لا يستحق المعالجة، لكن الإصلاح لا يبدأ بالسخرية، ولا يكتمل بالتشهير، ولا يحتاج إلى إعلان الطوارئ الثقافية كلما أخطأ مسؤول في قراءة كلمة؛ الإصلاح يبدأ بتكوين جاد وتدريب مهني، وإعداد جيد للخطب الرسمية، ومراجعة للنصوص، وتوفير فرص حقيقية لتعلم العربية واستعمالها في مجالات العلم والعمل والإدارة.

وإذا كان النص مكتوبا بلغة رفيعة، فإن من مسؤولية المؤسسة أيضا أن تهيئ من يقرؤه لقراءته على نحو واضح، أما المنصوري، فلا تحتاج في نهاية المطاف إلى أن نختلق لها كمالا لغويا كي ندافع عن حقها في أن تقيم بإنصاف، ولا إلى أن نزعم أن كل ما يصدر عنها صحيح لأنها مغربية أو لأن لها لكنة محلية محببة إلى الناس؛ يكفي فقط أن نرفض المعيار المزدوج، وأن نعيد النقد إلى حجمه، وأن نطالب بأن تناقش المسؤولية السياسية في ميدانها الحقيقي.

تستطيع أن تتعثر في الفصحى، وأن تتحدث بالدارجة، وأن تتعلم وتتحسن، من دون أن تصبح هذه العناصر وحدها تعريفا لشخصها، ويمكن للمرء أن يختلف معها سياسيا اختلافا شديدا، وأن يعارض برنامجها أو قراراتها، من دون أن يتوهم أن عثرة في القراءة تمنحه انتصارا على مشروعها السياسي؛ فالخلاف الجاد لا يبحث عن نقطة ضعف شكلية ليتوج نفسه، يحتاج أن يقدم حجة أقوى، ودليلا أوضح ومساءلة أكثر اتصالا بمصالح الناس.

يا صديقي، إن العربية أكبر من أن تحتاج إلى إحراج امرأة كي تثبت عظمتها، والمغرب أوسع من أن يختزل في نموذج واحد للكلام، والمواطن أذكى من أن يخلط دائما بين فصاحة الخطاب وصدق صاحبه، فإذا أردنا أن ننتصر للعربية، فلننتصر لها بالتعليم والمعرفة والإبداع، لا بإقامة المحاكم على ألسنة الناس؛ وإذا أردنا أن ننتصر للمغرب، فلنحترم تعدده اللغوي من دون أن نهمل حقه في إتقان الفصحى؛ وإذا أردنا أن ننتصر للحقيقة، فلنضع المسؤولين أمام ما يفعلونه، لا أمام ما تعثرت به ألسنتهم، وما أكثرهم هناك حيث مصدر قوتك اليومي.

فاللغة التي لا تتسع لأهلها تتحول إلى قفص، والفصاحة التي تتعالى على الناس تفقد رسالتها، والنقد الذي يعجز عن تجاوز عثرة اللسان إلى مساءلة الفعل ليس انتصارا للعربية، هو ببساطة.. هزيمة للعقل أمام سطوة المظهر. 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة