النهار24.
لنكن واضحين بلا مجاملة: قضية 280 مليار لم تعد نقاشا ماليا، بل أصبحت عملية اغتيال سياسي ممنهجة لرجل واحد، لأنه تجرأ على قول ما لا يجرؤ الوزراء على قوله: صرفنا كثيرا، ولكن المواطن لم يشعر.
ومع ذلك، فإن الحقيقة عنيدة، والأرقام لا تكذب، ومن يريد أن يحاكم لقجع فليحاكمه بالأرقام لا بالشعارات.
الحجة الأولى: 280 مليار ليست رقما سحريا، بل هي مجموع ميزانيات صادق عليها خصومه أنفسهم.
لقجع حين تحدث عن 280 مليار درهم في خمس سنوات، كان يتحدث عن مجموع ما صادق عليه البرلمان بغرفتيه في قوانين المالية من 2021 إلى 2025 كتدابير استثنائية لدعم القدرة الشرائية. كل درهم منها مر عبر مسطرة دستورية، ووقعه رئيس الحكومة، وصادق عليه النواب الذين يطالبون اليوم بلجنة تقصي الحقائق. فهل يطالبون بلجنة تقصي حقائق ضد تصويتهم؟
هذا المبلغ مقسم ومعروف:
– 50 مليار درهم كلفة الحوار الاجتماعي وحده. وهذا ليس كلام مقاهي، بل رقم رسمي كشف عنه لقجع في البرلمان: كلفة الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة ستصل إلى 50 مليار درهم مع نهاية السنة، و 16.6 مليار درهم في 2027 وحدها هذه 50 مليار ذهبت مباشرة لزيادة أجور 900 ألف موظف، ورفع SMIG من 2800 إلى 3500 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم. هل هذه أموال تبخرت؟ اسألوا أي أستاذ أو ممرض.
– أكثر من 100 مليار درهم لدعم صندوق المقاصة وصندوق كورونا وما بعده. دعم غاز البوتان وحده يكلف 15 مليار سنويا، والقمح والسكر أكثر من 10 مليارات سنويا. لولا هذا الدعم لكان المغربي يشتري قنينة الغاز بـ 120 درهما وليس بـ 40 درهما.
– 25 مليار درهم للدعم الاجتماعي المباشر وبرنامج السكن. أموال تذهب عبر تحويلات بنكية مباشرة لـ 3,5 مليون أسرة.
– 2.8 مليار درهم لدعم فواتير الكهرباء: وهو الإجراء الذي أعلنه لقجع هذا الأسبوع في لجنة المالية: تخصيص 2.8 مليار درهم، أي 280 مليار سنتيم، للإجراء المرتبط بدعم فواتير الكهرباء التي تقل قيمتها عن 100 درهم. هل هذا هباء منثورا؟
إذن أين هو اللغز؟ المال موجود، ومساره موجود.
الحجة الثانية: الفارق بين المجهود الميزانياتي والأثر المعيشي، وهذا هو جوهر فكر لقجع الاقتصادي.
خصوم لقجع يتعاملون بمنطق بقال: صرفت 280 مليار يجب أن أجدها في جيبي. لكن الاقتصاد لا يعمل هكذا. هذا ما يسميه الاقتصاديون Inflation Tax أو ضريبة التضخم.
المغرب عاش بين 2021 و2025 تضخما تراكميا يقارب 24%. أي أن كل 100 درهم وضعتها الدولة في جيب المواطن في 2021، فقدت ربع قيمتها في 2025 بفعل ارتفاع أسعار الاستيراد. البترول انتقل من 60 دولارا إلى 120 دولارا، والقمح من 200 دولار للطن إلى 500 دولار، والشحن البحري تضاعف 4 مرات.
الدولة ضخت 280 مليار، والسوق العالمي ابتلع أكثر من نصفها. هذا ليس فشلا، هذه هي الحرب الاقتصادية التي خاضها المغرب وربحها بالحد الأدنى: لم يجع المواطن، ولم تنقطع المواد، ولم ينهار الدرهم. في دول مجاورة انهار كل شيء رغم أنها صرفت أكثر.
حين يقول لقجع “مسحها الغلاء” فهو يقدم درسا في الصدق الاقتصادي، لا يعترف بالفشل. الفشل هو أن تصرف ولا تقول أين صرفت. والشجاعة أن تقول: صرفنا، ولكن آلية الصرف تحتاج تغييرا.
الحجة الثالثة: المسؤولية المؤسساتية، وهنا يُفضح التناقض.
فوزي لقجع وزير منتدب مكلف بالميزانية. مهمته الدستورية هي تعبئة الموارد. هو الذي وفر 280 مليار من الضرائب والاقتراض. أما صرفها، فمسؤولية الوزراء القطاعيين: وزير الفلاحة، وزير الصناعة، وزير التضامن.
فكيف يحاسب من وفر المال على طريقة صرفه؟ هذا كمن يحاسب سائق الشاحنة التي جلبت القمح على مذاق الخبز في الفرن. المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية هما المخولان بتتبع الصرف، وليس مهرجان خطابي.
الحجة الرابعة والأخيرة: لماذا يخافون من لقجع إلى هذا الحد؟
لأن لقجع انتقل من موقع التقنوقراط المحايد إلى موقع السياسي الذي يملك مشروعا بديلا: 350 مليار ببرنامج معقول بدل 280 مليار ببرنامج مشتت. قالها بوضوح: بدل أن ندعم الاستهلاك، سندعم الإنتاج. بدل أن ندعم فاتورة الكهرباء، سندعم المصنع الذي يشغل الشباب ليدفع هو فاتورته.
خصومه لا يناقشون 350 مليار لأنه رقم أكبر، بل يناقشون 280 مليار لأنه كشف عورة نموذجهم: نموذج دعم الطلب دون إصلاح العرض.
إذن أين ذهبت 280 مليار؟
ذهبت إلى جيوب المغاربة، ولكن جيوب المغاربة كانت مثقوبة بفعل احتكار الوسطاء، وتوحش المضاربين، وغلاء الاستيراد. ولقجع هو أول من وضع إصبعه على الثقب وقال: يجب أن نخيط الجيب قبل أن نملأه مرة أخرى.
ومن يحاول اليوم تحويل هذه الشجاعة إلى تهمة، فهو إنما يدافع عن بقاء الثقب مفتوحا.














