النهار24.
في سياق دينامية فلاحية وطنية متجددة، تعكس عمق التحولات التي يشهدها القطاع الزراعي بالمملكة، وتترجم الرؤية الملكية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، يواصل الملتقى الدولي للفلاحة الذي تحضنه العاصمة الإسماعيلية مكناس ترسيخ مكانته كأحد أبرز المواعيد الاستراتيجية التي تؤطر النقاش العمومي حول قضايا الأمن الغذائي والاستدامة والابتكار الفلاحي. ولم يعد هذا الحدث مجرد تظاهرة سنوية عابرة، بل تحول إلى منصة دولية حقيقية تتقاطع فيها الرؤى، وتُبنى فيها الشراكات، وتُرسم من خلالها معالم فلاحة المستقبل، في زمن تتزايد فيه التحديات المناخية والاقتصادية والجيواستراتيجية.
وإذا كان النجاح اللافت الذي حققته الدورات السابقة قد شكل حافزاً قوياً لتعزيز إشعاع هذا الملتقى، فإن قرار وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بتمديد فترة انعقاده خلال دورته الثامنة عشرة، يعد مؤشراً واضحاً على حجم الرهان المعقود عليه، وعلى الإقبال المتزايد الذي بات يحظى به سواء من طرف المهنيين أو عموم الزوار. فتمديد مدة الملتقى إلى تسعة أيام كاملة، بدل سبعة، ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو تعبير صريح عن الثقة التي أضحى يحظى بها هذا الحدث الدولي كفضاء جامع للحوار وتبادل الخبرات واستشراف مستقبل القطاع الفلاحي.
ويأتي تنظيم دورة 2026 تحت شعار “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية”، في لحظة مفصلية يواجه فيها العالم تحديات غير مسبوقة تتعلق بتأمين الغذاء وضمان استمرارية سلاسل الإنتاج، خاصة في ظل التغيرات المناخية الحادة والاضطرابات الجيوسياسية. وهو اختيار يعكس وعياً عميقاً بضرورة إعادة التفكير في نماذج الإنتاج الحيواني، وتعزيز قدرتها على الصمود، مع الحفاظ على التوازنات البيئية وضمان السلامة الصحية وجودة المنتجات.
كما أن اختيار البرتغال كضيف شرف لهذه الدورة، يعكس البعد الدولي المتنامي للملتقى، ويؤكد انفتاح المغرب على تجارب رائدة وشراكات مثمرة من شأنها تعزيز تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، بما يخدم تطوير المنظومة الفلاحية الوطنية ويعزز تنافسيتها.
إن الرهانات الكبرى التي يطرحها هذا الملتقى، من خلال استقطابه لما يقارب 1500 عارض ومشاركة 70 دولة وتنظيم عشرات الندوات العلمية، تؤكد أنه لم يعد مجرد فضاء للعرض، بل تحول إلى مختبر حقيقي للأفكار والحلول، حيث يتم تسليط الضوء على قضايا حيوية مثل الصحة الحيوانية، والسلامة الصحية، وتحسين الأداء الاقتصادي والتقني لوحدات تربية الماشية، إلى جانب استعراض أحدث الابتكارات في مجال الفلاحة المستدامة.
هكذا، يواصل الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس أداء رسالته كقاطرة للتنمية الفلاحية، وجسر للتواصل بين مختلف الفاعلين، ومنصة لتثمين المكتسبات واستشراف الآفاق، في انسجام تام مع الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها إستراتجية “الجيل الأخضر”، التي تسعى إلى بناء فلاحة عصرية، مستدامة، وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار


















