الذكاء الدبلوماسي.. كيف قادت الرؤية الملكية والتكتيك التفاوضي إلى إعادة ترتيب موازين قضية الصحراء المغربية؟

الإدارةمنذ ساعة واحدة
الذكاء الدبلوماسي.. كيف قادت الرؤية الملكية والتكتيك التفاوضي إلى إعادة ترتيب موازين قضية الصحراء المغربية؟

النهار24.

لم تكن التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة مجرد نتيجة لتغير مواقف بعض العواصم الدولية، بل جاءت أيضا في سياق مسار دبلوماسي طويل اعتمد فيه المغرب مزيجا من الرؤية الاستراتيجية والتكتيك التفاوضي والاشتغال المؤسساتي متعدد المستويات.

فقد انتقلت الدبلوماسية المغربية تدريجيا من مرحلة الدفاع عن الموقف الوطني ومواجهة الأطروحات المناوئة للوحدة الترابية، إلى مرحلة توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي، وجعلها مرجعية أساسية للنقاش السياسي داخل المؤسسات الدولية.

ويستند هذا المسار إلى قيادة ملكية مباشرة للدبلوماسية، يتولى تنفيذ توجهاتها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، إلى جانب العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف الذي يضطلع به السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال، في تنسيق بين القرار السياسي والتحرك الدبلوماسي والتفاوض داخل أروقة الأمم المتحدة.

وتستحق التجربة الدبلوماسية المغربية في تدبير قضية الصحراء المغربية أن تدرس في الجامعات والمعاهد المتخصصة في العلاقات الدولية والتفاوض الاستراتيجي، ليس فقط بالنظر إلى التحولات التي حققتها على مستوى المواقف الدولية، وإنما أيضا بسبب الطريقة التي تدير بها المملكة توازناتها مع القوى الكبرى، دون الارتهان الكامل لأي محور دولي.

 فالدبلوماسية المغربية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقدم نموذجا في الجمع بين وضوح الهدف الاستراتيجي ومرونة الوسائل، وبين التمسك بالثوابت الوطنية والقدرة على قراءة التحولات داخل النظام الدولي.

 وفي قلب هذه التجربة تبرز قضية الصحراء باعتبارها المجال الذي اختبرت فيه قدرة المغرب على الانتقال من الدفاع عن موقفه إلى التأثير في طبيعة الإطار الدولي الذي يناقش هذا النزاع.

ويبرز التطور الذي شهده مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 أحد أكثر الأمثلة دلالة على هذا التكتيك الدبلوماسي، فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي الذي كان يقترح تمديد ولاية بعثة المينورسو سنة إضافية، مع جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات وإعادة صياغة طبيعة المهمة الأممية، وحصل المشروع رغم ذلك على تأييد 11 عضوا، مقابل اعتراض روسي وثلاثة امتناعات.

وفي المقابل، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع القرار الروسي البديل الذي اقترح تمديد ولاية البعثة دون إدخال التعديلات الأمريكية، بعدما لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض و11 امتناعا. وهكذا وجد مجلس الأمن نفسه أمام مشروعين متعارضين لم يتمكن أي منهما من الحصول على الاعتماد، لتنتهي ولاية المينورسو في 31 أكتوبر دون تمديد جديد.

والعنصر الأكثر أهمية في هذه الواقعة ليس مجرد استخدام موسكو حق النقض، وإنما ما كشف عنه ناصر بوريطة بشأن علم المغرب المسبق بالموقف الروسي. فقد أكد أن موسكو أبلغت الرباط بنيتها استعمال الفيتو قبل التصويت، وأن المملكة تعاملت مع هذا المعطى وفق قراءة استباقية، ولم تعتبره مفاجأة دبلوماسية أو تطورا يفرض عليها الارتباك.

وهنا تتجلى إحدى ركائز الذكاء الدبلوماسي المغربي، أي التمييز بين الموقف الذي تتخذه دولة كبرى وبين النتائج التي يمكن توظيفها سياسيا ودبلوماسيا، فالمغرب لم يكن بحاجة إلى إقناع روسيا بتأييد المشروع الأمريكي حتى يدير تداعيات موقفها، بل كان مطالبا باستيعاب خلفياته وتقدير انعكاساته، ثم تحديد كيفية تحويل الأزمة داخل مجلس الأمن إلى فرصة لإعادة طرح قواعد تدبير الملف برمته.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن المغرب لم يحصر قراءته للفيتو الروسي في كونه انتصارا لموسكو أو عرقلة أمريكية، بل تعامل معه باعتباره مؤشرا على وصول الصيغة التقليدية لتدبير النزاع إلى حدودها.

 فالمفارقة أن الولايات المتحدة، التي تقود المسار الجديد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، وجدت نفسها أمام اعتراض روسي حال دون تمرير مشروعها، بينما لم تتمكن موسكو بدورها من تمرير مشروعها البديل بسبب الفيتو الأمريكي.

وفي هذه المعادلة، لم يحصل أي من الطرفين على الصيغة التي أراد فرضها، فيما تمسك المغرب بموقفه المعلن بشأن عدم تمديد مهمة البعثة، واعتبر بلاغ الديوان الملكي أن هذا التطور يمثل خطوة مهمة نحو طي ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

وهذا لا يعني أن الفيتو الروسي كان انتصارا للمغرب أو أن موسكو أصبحت حليفا له في القضية، بل إن المكسب الذي راهنت عليه الرباط يتمثل في توظيف نتيجة المواجهة الدولية لإعادة فتح النقاش حول مستقبل المينورسو والآليات الأممية المعتمدة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ومن هنا تظهر الأدوار المتكاملة لمكونات الدبلوماسية المغربية، فجلالة الملك محمد السادس يحدد الاتجاه الاستراتيجي والاختيارات الكبرى، ويحرص على أن تظل قضية الوحدة الترابية محددا مركزيا في علاقات المملكة الدولية، فيما يتولى ناصر بوريطة تدبير الاتصالات السياسية والتفاوضية مع العواصم المؤثرة، بما فيها واشنطن وموسكو وقراءة مواقف القوى الكبرى وتقاطعات مصالحها.

 أما عمر هلال، فيمثل واجهة الاشتغال المؤسساتي والقانوني داخل الأمم المتحدة، حيث تتطلب معركة الصحراء إلماما دقيقا بقواعد مجلس الأمن، وآليات التصويت وصياغة القرارات وإدارة النقاشات مع الوفود الدبلوماسية.

وتكمن قوة هذا النموذج في عدم الفصل بين التحرك الثنائي والتحرك متعدد الأطراف، وبين الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية القانونية، بما يسمح للمغرب بالحفاظ على وضوح موقفه حتى عندما تتعارض حسابات حلفائه أو تختلف مصالح القوى الدولية.

والأهم أن هذا التكتيك لا ينبغي عزله عن المسار الذي سبق التصويت الأخير، خصوصا القرار الأممي 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، ووصف الحكم الذاتي الحقيقي بأنه أحد أكثر النتائج قابلية للتحقق.

وبذلك، فإن التحول الذي عرفه مجلس الأمن سنة 2026 جاء بعد انتقال النقاش الدولي إلى مرحلة جديدة، أصبح فيها المقترح المغربي حاضرا في صلب المرجعية التفاوضية، بينما باتت الأسئلة المطروحة تتعلق بطبيعة الحل السياسي ومستقبل آليات الأمم المتحدة.

ومع ذلك، فإن انتهاء ولاية المينورسو دون تمديد يفتح بدوره تحديات تتعلق بمراقبة وقف إطلاق النار والاستقرار الإقليمي، وهي ملفات تفرض على المغرب مواصلة تدبير المرحلة المقبلة بحذر دبلوماسي ومسؤولية سياسية وعدم الخلط بين تعثر تجديد البعثة وبين التسوية النهائية للنزاع.

إن ما يجعل التجربة المغربية جديرة بالدراسة ليس الادعاء بأن الرباط تحكمت في قرارات موسكو أو واشنطن، ولا أن الفيتو الروسي كان جزءا من تفاهم سري بين الطرفين، وإنما قدرتها على استيعاب التناقضات الدولية واستباق مواقف الفاعلين، وعدم السماح لتحول دبلوماسي غير متوقع بأن يتحول إلى ارتباك في القرار الوطني.

إنها دبلوماسية تقوم على النفس الطويل وتراكم المكاسب وتعدد قنوات التواصل، والتمييز بين الحليف الذي يتقاطع معك في موقف والخصم الذي يمكن تحييد اعتراضه في ملف معين.

 ومن هذه الزاوية، فإن تجربة المغرب في قضية الصحراء تقدم مادة غنية لدراسة كيفية انتقال دولة متوسطة القوة إلى موقع الفاعل المؤثر في التوازنات الدولية، عبر توظيف الجغرافيا والتحالفات والمؤسسات الدولية والشرعية السياسية، تحت قيادة ملكية تجعل من وضوح الهدف ومرونة التكتيك ركيزتين متلازمتين في إدارة الملفات الاستراتيجية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة